كتاب سوانح الحياة

قبل هذه الحادثة لم أكن مهتماً بإتمام ما كتبت عن حياتي، ولكن هذه الحادثة دفعتني لذلك، وأيقنت بأنه لو لم يكن فيها خير لما غضب منها الشيوخ والمراجع، ولهذا بمجرد أن رجعت من قسم التحقيق أخذت الصفحات المكتوبة من قبل، وبدأت بإتمامها وإصلاح ما كان فيها بحسب ما تيسر مع ضعف الطاقة، فأصلحت بعض أخطائها، وغيرت ترتيبها، وزدت عليها مباحث وفصولاً أخرى من حياتي، مع أنني صرفت النظر عن تفصيل كثير من الأحداث في حياتي مثل المواجهة مع رضا خان، وأفكار الدكتور مصدق، وما حدث لي أيام إقامتي في نهاوند وتأسيس عدة مساجد فيها، وجولتي في شمال إيران وما قمت به من نشر الأفكار التي أدعو إليها، ومثلها في وسط خراسان وغيرها.. حتى صارت السيرة المكتوبة بالصورة هذه.

وأرجو أن تكون هذه الترجمة الشخصية التي ألفها الرجل المعمم الذي درس في قم والنجف سنوات طويلة من عمره سبباً لمعرفة الناس للإسلام الصحيح، وألا يُحمّلوا دين الله القويم أعمال الشيوخ الفاسدة والمخالفة للشرع، وأن يرجع الناس إلى الإسلام والقرآن فيتدبروهما بصدق وتجرد ليعرفوا الإسلام، وأن تكون هذه السطور دافعاً لهم لكي يتركوا تقليد أقوال شيوخهم بدون تأمل، وأتمنى أن يتذكر الناس دائماً: ﴿ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34]، ولهذا يجب على الناس أن يدركوا ضرورة طلب الدليل على الأقوال التي تنسب إلى الدين ولو كان المتحدث من العلماء.

في هذه الأيام يعيش العوام عندنا أوضاعاً سيئة للغاية؛ لأن أكثر الناس غير مطلعين على كثير من حقائق الإسلام، والوضع العام بعيد عن الدين الإسلامي، والحرية غير متوفرة لمن يريد أن يوضح حقائق الإسلام وأصوله، حتى صار الدين أشد غربة من كل شيء.

وأنا أسأل الله بفضله أن يُغيّر هذه الحالة حتى لا يظن الناس أن هذه الأوضاع السيئة ناشئة من الإسلام المزعوم في هذه الجمهورية فيميلوا إلى تيارات أخرى ضالة كالاشتراكية والليبرالية لا سمح الله، وبطبيعة الحال فإن المقصرين الذين يتحملون مسؤولية ذلك الأمر - إن وقع - هم الشيوخ، وللأسف فإن هذه الجمهورية التي يقال عنها إسلامية والتي هي في التحقيق أسوأ من دولة بني أمية؛ أقول: تسلط على الناس مجموعةٌ من الشباب الجهال بالإسلام وتعاليمه، والذين لا همّ لهم إلا طاعة رؤسائهم.. ولا يترددون أبداً في أذية الناس ويدّعون بأنهم جيش الإسلام وحماته، ويظنون بأنهم حزب الله الذي ينشر الدين، وما هم إلا أناس يفعلون بلا تفكير كل ما يطلبه رؤساؤهم، ولهذا تجدهم يعتقدون صحّة كل ما يأمر به رؤساؤهم سواء كان حبساً للناس أو تضييقاً عليهم، أو حتى أكلاً لأموال الناس أو مصادرتها بدون مسوغ، فكل أنواع الأذية للآخرين سائغة ما دامت بمباركة الشيوخ.

كنا نرجو أن تقوم حكومة إسلامية، وجاهدنا في هذا الطريق سنوات طويلة، والآن ندعو إلى أن لا توجد حكومة إسلامية يقوم عليها أمثال هؤلاء الشيوخ والمراجع الذين يسترزقون عن طريق الدين؛ لأن الذي تبين لنا أن المراجع لا يعلمون معنى الإسلام ولا معنى الحكومة الإسلامية، أو يتجاهلون ذلك كي تستمر منافعهم، قال ناصر خسرو علوي في أشعاره (مترجمة):

قلت له: اطمئن فقد جاء الدين، والخير یدفع الشر

قال: ليس الأمر کما تقول، جاء الدين فساء الوضع ولم یتحسن فأصبح الدين مكسبا لأبناء الدنيا الأراذل

عندما نجهل معنی الدين تصبح جنة النعیم کنار سقر

کان الدين واحداً ولم یکن ثمة مائة مذهب، فجاءت المائة وتعطل الواحد.

***

في عصرنا صار البعض قضاة وهم ممن لا دين لهم أبداً ولا مبادئ، وليس لهم ضمير، والمؤهل الذي يملكونه هو العمامة فقط.. صاروا قضاة بالتزلف والطاعة المطلقة لحكامهم.. وعلى سبيل المثال في سجن (إيفين) يصدر القاضي هناك كل ليلة أحكاماً بالإعدام على البعض؛ لأن ولاة أمور الدولة أمروا بذلك وهو لا يعلم لماذا؟!

وأذكر أنهم طلبوني يوماً وعندما أتيتهم قالوا لي: أنت ستقتل.. أنت مهدور الدم ويجب إعدامك! قلت: لماذا؟ وعلى أي أساس؟! قالوا: لا يحتاج إلى دليل!

وكذلك لما أبعدوني إلى يزد وجاءوا بي عند القاضي أمر بسجني. فقلت: لماذا أسجن؟! قال: لا دخل لنا! هذا الأمر جاءنا من طهران! فعلم أن حاكم الشرع شيخ مثل العسكري العميل في زمن الشاه لا بدّ أن يعمل بحکمه.

وهكذا انتهى الأمر بنا في هذه الجمهورية التي يُعمل فيها بأوامر أشخاص بدون تحقيق.

فوا أسفاه! لقد قدم الناس في هذه البلاد آلاف القتلى لكي تقوم حكومة تخدم القانون وتُزيل الاستبداد! ولكن للأسف رجع المستبدون مرة أخرى، وصارت مصالح الناس بأيديهم، وعاد الوضع إلى أقبح من عصر الاستبداد «عصر الشاه»، والآن صار كل المسؤولين عشاقاً للإمام الخميني، ولكنهم لا علم لهم بالإسلام، وقد أنشد الإمام الخميني أشعاراً مليئة بأوهام المتصوفة، فيقول مثلاً:

فرغت عن نفسي وشربت كأس أنا الحق

مثل منصور صرت مشترى رأس الصليب

افتحوا لي باب بيت الخمر ليلاً ونهاراً

إني قد برئت من المسجد والمدرسة

قد خلعت لباس الزهد والرياء ولبست

خرقة الشيخ الخرباتي وصرت عاقلا

اتركوني أذكر ذكراً عن بيت الصنم

لأني قد صحوت بيد صنم صاحب بيت الصنم

وأذكر أن المراقب المسئول عن السجن في يزد -عندما سجنت- كان يحفظ هذه الأبيات عن ظهر قلب، ويرددها من الليل حتى الصباح ويقول: ما أجملها وما أحسن من قالها! مع أنه لم يجر على لسانه طول الليل ذكر أو تسبيح لله، ولم أره يتلو كتاب الله مرة.

الخلاصة: إن حكومة الخميني أوقعت الشعب في الفقر والغلاء والاختلاسات، وصيرت كثيراً من الناس إلى العلمانية.. وقد وصل سعر متر من الأرض بعشرين ألف تومان، وغصبوا أراضي الله (العامة) ويعطون منها من شاءوا، ويبيعونها كما شاءوا، وكل يوم يمر يزداد الغلاء، ويتحول الناس إلى جواسيس على بعضهم حتى أن أحداً لا يجرؤ على التنفس، والسجون مليئة بالناس، لا توجد حرية في المطبوعات ولا في الكلام ولا في الأعمال، وأنت لست بحرِّ لا في منزلك ولا خارجه، وتعرّض الناس في حياتهم للضيق في كسبهم، بل وحتى في تدريس أبنائهم، والخلاصة أنّ البلوى والفقر قد عما في الناس.

ومن الطوامّ أنّ الخميني وتلاميذه يعتقدون بوحدة الوجود وهو أقبح أنواع الكفر، ولأنهم يعتقدون بوحدة الوجود فلا يُحِسّون بما يرتكبون من ظلم وجور، وهو من إفرازات هذه العقيدة السيئة[307].

مذهب الخميني وأتباعه مليء بالخرافات والبدع والأباطيل، وكما كان يقول بنفسه في الراديو سنة 1984م: (لا يفهم القرآن أحد)، فإذا كان ميزان الصحة والبطلان ومعرفة الحق من الباطل لا يُفهم، فمن الطبيعي عنده أن تكون أعمالهم سيئة! وألا نرى أحسن مما رأينا منهم! ولهذا ألفت وكتبت لدلالة الناس وإرشادهم، ولكي يستيقظوا من نومهم، وللأسف بدلاً من أن يشكروني آذوني بكل ما استطاعوا لكي يحافظوا على خرافاتهم وبدعهم.. وكل من كانت له أدنى علاقة معي أو اقتنى كتاباً لي حبسوه وآذوه وأخذوا عليه التعهدات بألا يتصل بي.. ومن هؤلاء السيد «آل اسحاق»[308] الذي کان محبوساً مدّة من الزمن، والسيد «القريشي طالشي»، حيث اتهموه بأمرين: الأول: اقتناؤه كتاباً للبرقعي، والثاني: رغبته في تأسيس مدرسة دينية للطلاب من أهل السنة في طالش، فسجن مدة لذلك وآذوه كثيراً.

كذلك السيد «زنكنه الأصفهاني»، والسيد المهندس «محمد تقي خجسته»، والسيد «عطائي ألنكه‌اي»، والسيد «حسيني القمي» إمام الجمعة السابق لـ «ورجان» في قم، وآخر هو السيد «بهمن نيك بين».. وآخرون ممن تحملوا الحبس والتضييق. أسأل الله أن يعطيهم أجزل الثواب، وأن ينجيهم من شر أولئك الأشرار.

أحد الأصدقاء كان يظهر حبه لنا علناً، وهو السيد «خسرو بشارتي»؛ فقتلوه في الطريق بين (كن) و(سلفان) قريباً من طهران من غير أي جرم أو محاكمة، رموه بالرصاص حتى مات رحمه الله رحمة واسعة ورضي الله عنه.

هذا الفاضل / كان قد دافع عني في مقال ردَّ فيه على حجة الإسلام «متانت»، وقد نشر في جريدة اطلاعات بتاريخ (18/4/1358)[309] عدد (15900) صفحة (13).

وهناك آخرون من علماء سيستان وبلوشستان منهم الأخ «عبد الرحيم ملا زاده»، كانت له لقاءات معي وهو ليس في أمان من شر هذه الحكومة، أرجو الله أن يعطي هؤلاء الأجر والثواب الجميل.

وليعلم القارئ أن هذه الدولة جعلت الناس أعداءً لنا، وأقاربنا وأصحابنا لا يتجرؤون على زيارتنا والاتصال بنا، وهكذا فإن كل من جرى على لسانه كلمة لبيان العقائد الموافقة للقرآن فإن نظام الخميني يتهمه بأنه (وهّابي) مع أنه لا يوجد في الدنيا مذهب اسمه (الوهابية)، وإنما هم لغرض استعداء الناس وتنفيرهم يدعون أهل الجزيرة والحجاز بالوهابيين، مع أن مملكة الحجاز كما أعلم وأعتقد حنابلة.

نعم من حيث العقيدة هم يسيرون على عقائد عالم يُدعى «محمد بن عبد الوهاب»، وهو لم يأت بمذهب جديد، وإنما أحيا آراء ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وهذان أيضاً لم يفعلا شيئاً سوى محاربة الخرافات والبدع ودعوة الناس إلى الإسلام الأصيل، ودعوة الناس إلى الرجوع إلى القرآن، نعم هما لم يكونا معصومين، وقد أخطآ بعض الأخطاء خاصة في توحيد الذات وتوحيد الصفات فآراؤهما فيها لا تخلو من إشكال، لكن مشايخ إيران ليسوا منصفين ولا يترددون في اتهام كل من هدد متاجرهم ودكاكينهم، وبيّن بطلان ما عندهم بالبراهين، بالوهابية، حتى يهربوا من الاستدلال على أخطائه والرد على براهينه، مما يدل على أنهم لا منطق لهم ولا برهان سوى ممارسة القوة والسجن والقتل.

وقد كتبت حول أوضاع إيران في هذا الزمن الشعر الآتي:

(قصيدة بالفارسية من 24 بيت فيما يلي ترجمة معانيها بشكل نص نثري):

كان لي صديق عزيز وواعٍ وحسن الظن، قلت له: قل عن الإسلام ما تريد قوله، فقال: دينٌ من غير رجال دين خالٍ من كل قسيس وحِبر. فالنبيُّ المُصطفى لم يكن مُجتهداً بل كان أُميّاً، وعليّ المُرتضى ما كان شخصاً عاطلاً عن العمل يمتهن مهنة رجل الدين.

فسألته: فمن الذي يُرشد الناس إذن؟ ومن الذي يحفظ الدين؟ فقال: إن المُرشد هو القرآن وحفظ الدين واجب على الجميع. يجب على الجميع أن يتعلَّموا علم الدين فطلب العلم فريضة على كل مسلم. متى كان الهادي إلى الدين يتاجر بالدين ويشتري به؟! لم يكن الهادي إلى الدين كَلَّاً وعِبئاً على الناس.

إن الذين يبيعون الدين ويُتاجرون به لا يُمكنهم أن يكونوا هُداةً للناس ومُرشدين. إن الدين ليس حانوتاً للكسب. لو اجتنب الناس الاسترزاق من الدين كان دينهم في مأمن من الخداع والتضليل. لا يجوز أن يجعلوا من الدين سُلَّماً للوصول إلى مآرب سياسية، فإذا تخلوا عن ذلك كان دينهم عندئذٍ في مأمن من تحوله إلى دكان وحانوت للكسب.

لم تكن قيمة الحكومة لدى عَلِيٍّ أكثر من قيمة نعل مُهترئ. لقد كانت أراضي ملكه هي قلوب الناس لا الحجاز ولا هولندا أو بلغاريا.

فسألته عن دور الشيوخ فقال: إنهم عبء على أكتاف الناس. فسألته: فما عملهم؟ فقال: التكفير والحبس والقتل. إنهم سُكارى من خمر الغرور لا يفون بعهد. فسألته: فمن هم الحزب اللهية؟ فقال: هم الذين يُحيون رسم التتار. فسألته: فكيف حال البلاد؟ فقال: كالمريض بلا مُعالج ولا طبيب. فقلت له: فما هي الآثار التي استفدنا منها من ثورة شهر بهمن؟ فقال: نعم لقد كان من آثارها أضرار كثيرة أدَّت إلى وعي الناس ويقظتهم.

لقد بذل الناس أرواحهم وأموالهم أملاً في تنسُّم هواء الحرية ولكنهم خرجوا من حفرة ليقعوا في البئر. لقد زاد أَسْرُهُم (أي سجنهم) مئة ضعف.

لقد وقعوا في الفخ بسبب غفلتهم فلا نجاة لهم إلا باليقظة والوعي والانتباه.

فقلت له: متى يكون الخلاص؟ فقال: عند التضرع والابتهال إلى الله. على الجميع أن يطلبوا من الله أن يرفع عنهم هذه المصاعب والمشاكل.

انتهى.

نعم.. يعتقد الشيعة أن القائد المعصوم هو الذي يجلب للناس السعادة الحقيقية، ولهذا يقولون: لو تولى علي ÷ بعد رسول الله ص لكانت أوضاع المسلمين أحسن، ولكن ثبت بالتجربة أن هذه العقيدة وما يستدلون به عليها من الأخبار غير صحيحة؛ لأن علياً ÷ لو كان هو القائد فلن يحاكم الناس بالظنون والتهم كما يفعلون في جمهوريتهم.

وتأمل حال المسؤولين في هذه الدولة، فهم ليسوا بمعصومين، وليسوا بعدول، يخونون ويسرقون ويختلسون بالخفية، ومع ذلك لو جاء حاكم عادل فلن يحكم عليهم إلا بإقرارهم بالخيانة أو بثبوتها عليهم بالبراهين القانونية، ولن تكون محاكمته خارجة عن ذلك؛ لأن تعاليم الشرع تنُصّ على ذلك، وهذا علي ÷ نفسه يقول في الخيانة والفساد الذي رآه في بعض الناس: (وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أوَدَكم، ولكن والله لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي)[310] ويقصد الإمام علي بقوله: إنني أستطيع أن أهددكم مثل الحكومات الأخرى بالسجن والقتل والضرب، أو بمصادرة أموالكم بمجرد الاشتباه، ولكنني لن أفعل ذلك لأنه منهج الظلمة، ولأن ديني يمنعني من ذلك.

وكما ثبت تاريخياً أن کثیراً من الذين ولاّهم أمير المؤمنين علي ÷ قد خانوا بسرقة الأموال أو باختلاسها من بيت المال أو غيرها من الأمور مع التظاهر بالتدين وصلاح الظاهر، ولكن علياً÷ اتقى الله فيهم، وحفظه الله تعالى، واستجاب دعوته فيهم، وأنجاه من شر شیعته الأشرار.

وها نحن اليوم بعد علي (عليه ألف تحية وثناء) بسنين طويلة نعيش بين أناس يزعمون أنهم من شيعته، وقد تسلطوا على الناس بالجور والظلم بذريعة (ولاية الفقيه)، وتجاوزوا أساليب المستبدين مائة مرة.. يقتلون ويسجنون باسم الدين وبدون أي محاكمة شرعية.. مع أن السيد الخميني قال في أول خطبة ألقاها في (بهشت زهراء): إن هؤلاء الناس إنما ثاروا وقاموا طلباً للحرية، ولإزالة الكبت الذي فرض عليهم.

والحقيقة أن المراجع والمشايخ لا يريدون الحرية مع أنهم كثيراً ما يتحدثون عنها، ويزعمون بأنّ الثورة جاءت بالحرية هدية للشعب، وكشاهد على ذلك: أذكر بأنني سمعت السيد بازركان يقول: قال لي السيد هاشمي رفسنجاني: لن نعيد خطأ الشاه، ولن نعطي الحرية للناس.

للأسف: يسمحون ببث مواد كثيرة في المذياع والتلفاز تخالف الشرع، ويجيزون نشر كتب ومقالات لأناس ممن لا يؤمنون بالله ولا رسوله ولا باليوم الآخر، ويتيحون الفرصة لأناس منحرفين عن الدين كامل الحرية، وفي مقابل ذلك يمنعون الحرية عمن يريد بيان الحق من الموحدين الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويواجهونهم بالرصاص والسجن وأنواع الظلم.

هذه التناقضات أدت إلى تفشي كثير من المحرمات كالرشوة التي زال قبحها في عصرهم حتى صارت أحل من الماء الجاري، ويصرحون دائماً بأن التعليم مجاني، ولكنه صار أسوأ حالاً بمائة مرة من أيام الشاه الظالم، فالمدير والمدرس كل يوم يطالب أولياء الأمور بمبالغ مختلفة، وإذا لم يقدمها فإن الطفل سيواجه أنواع المشاكل، وقس على هذا كثيراً من الأوضاع. والمشكلة أن كل من يظهر الاعتراض على أمر في الدولة يصفونه بالعلماني والمرتد، ويستحلون دمه. وكما ذكرت في الصفحات السابقة لقد أدت كتاباتي إلى إصدار عدد من المشايخ الجهلة بيانا أهدروا فيه دمي، وأحلوا قتلي دون الحاجة إلى إذن الحاكم الشرعي، بل أباحوا لأيٍ شخصٍ قتلي حيثما وجدني!!، هذا رغم أنني الآن رجل طاعن في السن ومنزوٍ في منزلي، وأعاني من الأمراض وضعف الشيخوخة إلى حد أنني لا أستطيع إسماع صوتي للآخرين، ولكن لما ساء ظن الناس بأصحاب العمائم، فإنني لا أشعر بالراحة والأمان خارج المنزل.

يقول الله في القرآن الكريم: ﴿۞أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨ [إبراهيم: 28] هؤلاء الذين أوصلهم الله تعالى إلى سدّة الحكم لم يستفيدوا من الحكم إلا تَوْجِيهَ قوّتِهم ضد التوحيد والقرآن، ومحاربة أهل التوحيد الخالص، وإذا علموا عن شخص لا يدعو إلا الله وحده، ولا يلجأ إلى الأئمة والأولياء، ويقول بأن الأئمة لا يعلمون الغيب وأحوال الناس في الدنيا، ويقول: إنهم لا يديرون شئون العالم وأنهم لا يشفون المرضى، وأنهم ليسوا حاضرين في كل مكان، أو يقول بأن شفاعتهم متوقّفة على إذن الله تعالى.. من وجدوه يقول هذا سيقتلونه أو سيسجنونه ويضيقون عليه ويتهمونه بالوهابية؛ حتى يحافظوا على خرافاتهم؛ ولهذا فهم لن يوفقوا لخدمة الدين أبداً، ولا إلى إقامة العدالة وأهداف الإسلام السامية.

والخطأ الآخر الذي ارتكبوه أنهم قاصرون عن إدارة الأمور، وأشد منها أنهم أبعدوا عنهم كل ناصح ومتخصص، ولم يبق لهم إلا المتملقون والمتزلفون، وفي النهاية صارت الرعية مظلومة ويائسة، وقد كتبنا هذه التذكرة ناصحين ومشفقين على الناس، وطلباً لرضا الله تعالى، أسأله تعالى أن يكتب لها القبول والتأثير.

والحاصل أن الكلام في هذا الموضوع يطول، وليس باستطاعتي ذكر تفاصيله أكثر مما ذكرت.

[307] انظر كتاب شرح دعاء السحر تأليف الخميني (ص 103). [308] آل سحاق: اسماعيل بن عبد الكريم آل سحاق الخوئيني، يشتهر بالعلامة الخوئيني، عالم دين شيعي مصلح، ولد سنة 1937م وتوفي سنة 2000م وله من العمر ثلاث وستين سنة، للمزيد حول آل سحاق انظر: رسالة أعلام التصحيح والاعتدال، تأليف: خالد البديوي. [309] الموافق لـ 9/ 7/ 1979م. [310] نهج البلاغة، الخطبة (68).