صفحه نخست التاريخ الإسلامي سوانح الأيام - ايام من حياتي رسالة من فاطمة البرقعي إلى الوحيد الخراساني

رسالة من فاطمة البرقعي إلى الوحيد الخراساني

بعد فترة أرسلت ابنتي رسالة إلى آية الله الوحيد الخراساني[275]، وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم

عن رسول الله ص أنه قال: «مَنْ أَعَانَ مُؤْمِناً نَفَّسَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ ثَلَاثاً وَسَبْعِينَ كُرْبَةً وَاحِدَةً فِي الدُّنْيَا وَثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ كُرْبَةً عِنْدَ كُرَبِهِ الْعُظْمَى قَالَ حَيْثُ يَتَشَاغَلُ النَّاسُ بِأَنْفُسِهِم» ‏(أصول الكافي)[276]

حضرة العالم المحترم والمحقق الكبير معالي السيد وحيد

بعد السلام.. من خلال الحديث النبوي الشريف السابق نرجو منكم مساعدة هذه الأسرة المسلمة المبتلاة بالمصيبة العظيمة والتي تستحق العون الذي حثّ عليه الحديث الشريف.

معالي السيد وحيد، منذ سنة تقريباً تم إلقاء القبض على والدي البالغ من العمر 85 عاماً، وذنبه أنه انتقد أحاديث الكافي والروايات المتعلقة بالمهدي ÷، مع أن عمله لم يطبع ولم يوزع بين الناس بشكل رسمي، وأنتم تعلمون أن نقد الروايات أمر منتشر بين العلماء من قديم الزمان، والمعروف بـأن الذي ينتقد أخبار الكافي أو غيره لا يعد كافراً بالله، ولا منكراً لرسول الله ص، ولكنهم للأسف بهذه التهمة سجنوا والدي العجوز وتركوه أربعة أشهر تقريباً في الحبس الانفرادي حتى أتعبه المرض في جسمه المليء بالجروح، وأصيب لأول مرة من عمره بالصرع، ثم نقلوه إلى سجن آخر ووضعوه مع بعض الأشخاص الذين يؤذونه بشتى الطرق مما زاد في مرضه، ثم ابتلي بانحباس البول، وآلام في الظهر والرجل.

إن العالم الذي نتحدث عنه لديه إجازات رسميّة بالاجتهاد من علماء من الطراز الأول عند الشيعة أمثال آية الله السيد أبي الحسن الأصفهاني وآخرين، والسيد آية الله أبو الفضل البرقعي له كتب وآثار مملوءة بتعظيم الله، وإجلال الرسول الأكرم ص، ومحبة آل بيته، إلا أنه وبحكم الاجتهاد لا يقبل أي خبر بدون تمحيص.

إن الذين ضيّقوا على هذا الشيخ الجليل ويقومون بإنزال العذاب النفسي والجسمي به في مثل ظروف سنه الكبير إنما يقومون بذلك بحُجّة اتهامه بالوهابية، مع أن مثل هذه التهمة لا يوجد لها أيّ أثر أو دليل يُثبتها في أيّ من كتبه، هذا أولاً. وثانياً: بالنظر إلى كتبه مثل كتاب «أحكام القرآن» وغيره نجد السيد البرقعي يستقي آراءه من القرآن ومن كثير من الأحاديث الواردة من أهل البيت عليهم السلام.

ثالثاً: يرى محمد بن عبد الوهاب[277] وابن تيمية في موضوع الصفات أن الله ينزل إلى السماء ليلاً ونحوها من الآراء، والبرقعي لا يقبل هذا بوجه، ومن له معرفة بتوحيد الله من خلال نهج البلاغة لا يُمكنه أن يُعير آراء محمد بن عبد الوهاب في توحيد الذات والصفات أيّة أهمية[278].

وعلى كل حال: فإن اعتقال مثل هذا الرجل الذي لا يجد لنفسه ملجأً إلا الله، وليس له مال وثروة، ولا يملك شيئاً من مال الدنيا إلا منزلاً مساحته ستون ذراعاً، وعدة مجلدات من الكتب، وإيذائه وهو الآن في آخر عمره مودّعاً الدنيا ومقبلاً على الآخرة، لن تكون نتيجته إلا زيادة مشاكل الجمهورية الإسلامية الإيرانية يوماً بعد يوم وكلما اشتد الأمر عليه ازدادت تلك المشاكل خطورةً، وأنتم تعلمون أكثر منا المشاكل والأخطاء التي تمر بها البلاد فما السر في ذلك؟

إذا أردنا معرفة ذلك فعلينا قراءة قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ[الرعد: 11]، وبلا شك فإن اعتقال آية الله البرقعي أحد أهم العوامل التي فتحت باب القبض على جميع السياسيين الإيرانيين.

ونحن لما نعرفه عنكم من العلم والرأفة فنرجو منكم أن تتحركوا في سبيل فكّ أسر الشيخ الكبير والعالم المظلوم، ونحن نرجو أن يكون لتحرككم أثر كبير في تعديل حال هذه الدولة وصلاح أوضاعها، ونحن لم نطلب منکم تحمل هذه المسؤولية من قبل، ولكن الآن وبعد أن طلبنا ذلك منكم فإننا نضع عليكم مسؤولیة کبیرة، لأننا نحن أسرة البرقعي قد یئسنا من الجميع إلا أننا نرجوكم بعد الله بألا تبخلوا بالإفراج عن السيد البرقعي.

نحن في انتظار جوابكم، ونرجو من الله المتعال توفيقكم في الدنيا والآخرة

من أسرة البرقعي/ فاطمة البرقعي

كما أرسلوا نسخة من هذه الرسالة إلى السيد محمد إمامي الكاشاني، وكان ممن يظهر حبه لي قبل أن أشتغل بمحاربة الخرافات.

***

[275] الخراساني: هو حسين وحيد الخراساني، مرجع شيعي معاصر من أصل تركماني، ولد 1924م، زعيم الحوزة في قم لاسيما بعد وفاة التبريزي، مشهور بمواقفه الحادة من كل مصلح في صفوف الشيعة. [276] أصول الكافي (2/159). [277] محمد بن عبد الوهاب: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، ولد 1115هـ، قاد حركة تصحيحية في شبه الجزيرة العربية لتنقية العقيدة من الممارسات البدعية التي انتشرت وقتها، مثل تقديس الأحجار والأشجار والتوكل على غير الله ودعاء المخلوقين وغيرها، وقد بيّن البرقعي - كما سيأتي - بأن محمد بن عبد الوهاب قام بـ(دعوة الناس إلى الإسلام الأصيل، ودعوة الناس إلى الرجوع إلى القرآن). [278] من مبادئ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إثبات صفات الله تعالى كما جاءت في القرآن والسنة من غير تحريف ولا تمثيل ولا تجسيم، وقد ذكر محمد بن عبد الوهاب اعتقاده في أسماء الله وصفاته فقال: (ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفؤ له ولا ند، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً، فنزّه نفسه عما وصف به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل) انظر كتاب: مؤلفات محمد بن عبد الوهاب، الرسائل الشخصية (5/8).