صفحه نخست التاريخ الإسلامي سوانح الأيام - ايام من حياتي كتاب جديد وابتلاء جديد.. محاولة اغتيال البرقعي

كتاب جديد وابتلاء جديد.. محاولة اغتيال البرقعي

في هذه الأيام ألفت كتاباً بعنوان: «دراسة علميّة لأحاديث المهدي» واستعرضت فيه الأدلة من آيات القرآن وصريح العقل التي تبين أن الإمامة تعني مطلق القيادة والزعامة، وأنها بهذا المعنى لا يصح أن تنحصر في أشخاص محدودين بعدد معين كما يعتقد بعض أصحاب المذاهب، فكما أن أئمة الكفر لا حصر لهم فكذلك أئمة الإيمان كثيرون لا حصر لهم، وبينتُ أن التحقيق العلمي يكشف أن الأخبار التي أوردها المتقدمون في هذا الشأن كالعلامة المجلسي والشيخ الصدوق والكليني -وأقصد الآثار التي تُحدِّد عددَ الأئمة باثني عشر ومنها التي تتحدث بالتحديد عن ابن الحسن العسكري- أخبارٌ مكذوبةٌ ومتناقضةٌ، وقد وقعت نسخة من هذا الكتاب في يد أحد الشيوخ من كبار مسؤولي الجمهورية التي يقال عنها «إسلامية» وبدلاً من أن يقدّروا هذه الخدمة العلمية أو أن يجيبوا بالدليل على ما يرونه خطأً، أصدروا فتوى بإهدار دمي، ثم جاءت الخطوة التالية حين أرسلوا أربعة من الجهلة لقتلي، فطرق ثلاثةٌ منهم عليَّ البابَ قبل الغروب وكأنهم مستفتون، فسألوا عدة أسئلة فأجبتهم ، ولم أشعر أن غرضهم غير الأسئلة، وأنهم جاءوا ليعرفوا مداخل المنزل ومخارجه، وأنهم يريدون الرجوع ليلاً.

على كل حال: في تلك الليلة -وكانت ليلة الخميس 29/ خرداد/ 1365 هـ. ش.[248] أتى هؤلاء الأشرار إلى منزلي عند الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً فطرقوا الباب، وكان لدي ضيف اسمه السيد «سالخورده»، فذهب ليفتح الباب، فأمسكوا به وحمله اثنان منهم إلى سيارة (وقد علمت بعد ذلك أنها (هوندا ذات أربع أسطوانات)، وهي خاصة بمسؤولي الدولة كما نعلم)، وكان أحدهم في السيارة واثنان حملوا «سالخورده» والرابع دخل المنزل -وكنت حينها في الركعة الثانية من صلاة العشاء- فصوب إليَّ المسدّس وأطلق عليّ رصاصة فدخلت الرصاصة في خدي، ثم هرب.

أنا لم أشعر بدخوله، ولكني شعرت بعد إطلاق الرصاصة كأن قنبلة اخترقت رأسي، وشعرت بالدم ينزف.. تلطخت سجادتي.. فقطعت الصلاة وتحاملت على نفسي حتى وصلت إلى المغسلة، وسمعت شخصاً يقول: «انتهى الأمر.. انتهى الأمر»، بعدها سقطت مغمىً عليّ عند المغسلة.. وكنت في عمر الثمانين وأنزف نزيفاً شديداً، وربما بلغ حجم الدم الذي سال مني سواءً إلى خارج جسمي أو إلى داخله عن طريق البلعوم ليترين. ومن رحمة الله أن جارة لنا تخدم في البيت كانت تسكن خلف منزلي، وقد سمعت صوت إطلاق النار فجاءت مسرعة ورأت وضعي السيئ، فأسرعت إلى الجيران في الدور الثاني والثالث فأخبرتهم، فخاف الجيران من التدخل فركضت المرأة حتى استنجدت بجارنا الخيّر السيد (أميدوار) وصاحت عنده: قتلوا السيد، فجاء الفاضل أميدوار مع زوجته وأولاده وقاموا بمساعدتي.

حاول أميدوار أن يخبر بعض المعارف والأصدقاء في طهران، ولكن لم یوفق لذلك، فهواتفهم مشغولة أو لا يردّون، وبعضهم غير موجود!

بعد ذلك اتصل بمدير الشرطة هاتفياً، فجاء مسؤولو الشرطة وأخذوني بسيارتهم إلى مستشفى «شهريار» القريب من منزلي، ونظراً لكونه غير مجهز بشكل جيد نقلوني إلى مستشفى «لقمان الدولة» فعالجوني هناك.

والسؤال الآن: من هو الفاعل لهذه الجريمة؟!

استيقنت بعد ذلك أن حكام هذه الدولة هم من أرسل لجنة الاغتيال التابعة للحرس الثوري لينفذوا هذه العملية الإجرامية، وعجباً.. لماذا يرتكب ولاة الأمور هذه الجريمة ضد رجل طاعن في السن جالس في بيته منذ عشر سنوات لضعفه وشيبته؟! فأنا لا أواجههم من مدة، وقد ابتعدت عن كل ما يحدث في هذه الدولة من خير وشر، ولكن بسبب سلبهم حرية الاعتقاد، ولأنني أبطلت بعض الخرافات المهمة لدى أهل البدع اشتد غضبهم عليّ، لاسيما وأنهم لا يملكون دليلاً يردّون به عليّ فلجؤوا إلى القتل.. تماماً كما فعلوا مع الأستاذ قلمداران.

وثمة قرائن عديدة تدل على أن مسؤولين في الجمهورية يقفون خلف من أطلق عليّ الرصاص، ومن ذلك ما يلي:

أولاً: لما أطلق الجاني عليّ النار ودخلت الرصاصة في خدي وخرجت من الخد الآخر وتلطخت بالدم، سمعت الرجل يقول باللاسلكي: (انتهى الأمر)، وهذا الكلام مع وجود اللاسلكي يدل على أنهم مرتبطون بالدولة.

ثانياً: قام بعض الأصدقاء بإخبار صحيفة كيهان واطلاعات وغيرهما من الصحف كي ينشروا هذا الخبر في صفحة الحوادث، ولكن لم تتحدث واحدة من الصحف عن ذلك، مما يدل على أن الدولة هي الطرف المتهم.

ثالثاً: كتب ابني رسالة إلى ولاة الأمور عما حدث، ولكن لم يردّ عليه أحد منهم.

رابعاً: كتبت بنفسي بياناً في الحادثة ونشرتها بين الناس، وأرسلت منها صورة إلى ولاة الأمور فلم يجب أحد.

خامساً: بعد يومين لما جاءت زوجة جارنا الناصح أميدوار إلى المستشفى قال لها أحد الحراس: لقد رأينا المجرم أكثر من مرة! وعندما سألته: وهل تعرفه؟ غيّر ذلك المأمور موضوع الكلام على الفور ولم يُجب عن سؤالها!

سادساً: في اليوم الثالث كنت في المستشفى فأتى إمام مسجد في سوق طهران اسمه: السيد «علي أنكجي» ومعه شيخ آخر وبعض المرافقين، وكانوا يتظاهرون أنهم جاءوا لزيارة جرحى الحرب في المستشفى، والقرائن تدل على أنهم جاءوا لمشاهدة وضعي، وكنت أمشي في المستشفى متوجهاً إلى المغسلة فصادفتهم قبل أن يدخلوا غرف المرضى وكان بعضهم يُشير إليّ وهو يقول: «ها هو.. ها هو..».

على كل حال: تظاهر هذا الرجل بأنه لا يعرفني وجاء ناحية سريري في الغرفة ليسلم على هذا الذي يلبس لباس أهل العلم، فخاطبته باسمه: السيد أنكجي؟! وذكرت اسم والده وعرفته بنفسي، هنا صُدم الرجل، وأنا متأكد أنه مع تجاهله إلا أنه كان يعرفني تماماً، وأنه إنما قصد الاطِّلاع على مدى الإصابة ومدى سلامتي.

والمهم أنني ذكرت له القصة، وما الذي حدث معي، وكيف فعلوا بي هذا الفعل المشين وأنا في الصلاة! وهنا لم يصبر الشيخ المرافق للسيد أنكجي وقال بصوت مرتفع وبكل فخر أمام الممرضة وأمام أبنائي وبلغة واضحة: هذا من ناحيتنا! يعني: هذه الجناية كانت من قبلنا، ففهمت أن هؤلاء يعتقدون أن قتلي فخر لهم، وكانت ابنتي الكبيرة معنا فردت عليه، وحدث بينهم وبين أولادي لغط..

بهذا تأكدت بأن الأمر بقتلي صدر من الدولة، وأنهُ تمَّ بمساعدة لجنة من اللجان المسلحة التابعة للنظام!

سابعاً: لو لم يكن المعتدي مسؤولاً في الدولة لتتبعوه ووجدوه، كما حدث في قصة انفجار القنبلة في شارع ناصر خسرو قبل محاولة قتلي بأيام؛ فتتبعت الدولة ذلك، وعرفت منفذي التفجير خلال ثلاثة أيام، ولكن في موضوع قتلي لم تقم الدولة بأي إجراء، بل جاء مسؤولون من سجن إيفين إلى المستشفى وقالوا بعد أن رأوا وضعي: اعفوا عن الجناة.

في تلك الأثناء ذكرت المرأة التي كانت في المنزل، والضيف الذي كان موجوداً في يوم الحادث وهو السيد سالخورده أن الذين جاءوا في العصر إلى المنزل متظاهرين بالاستفتاء كانوا يخفون أسلحة داخل ثيابهم.

ثامناً: طوال الأيام التي بقيت فيها في المستشفى كنت -ليل نهار- تحت مراقبة عدة أفراد مسلحين من الحرس الثوري يحملون مسدسات تحت قمصانهم، وكانوا يتناوبون على حراستي، وقد قال بعضهم لابني أكثر من مرة: «لماذا لا تأخذون هذا الرجل إلى المنزل أو إلى مستشفى خاص؟! أخرجوه أفضل»، وبعضهم قال: «هذا عدوّ لنا ولن نداويه»، وأنا أعلم أنهم لا يرغبون في شفائي، وحتى ليلة الحادث حاولوا إشغال ابنتي بالتحقيق لكي لا تكون معي!!

تاسعاً: بعض أهل الأسواق الذين جاؤوا إلى المستشفى كانوا يقولون كثيراً: أماته الله! هذا عدو لعليّ! ويسبون ويشتمون.

عاشراً: في يوم الخميس الذي وقع فيه الهجوم لما ذهب ولدي مع بعض أصدقائه إلى منزلنا شاهدوا سلك الهاتف مقطوعاً، وكذلك ضيفنا السيد سالخورده الذي أمسكوه ليلة الحادث تركوه في أحد الشوارع وهددوه بألا يخبر أحداً بالقصة، وطلب بعض المسؤولين في الحكومة في الليلة الأولى ممن سمع صوت إطلاق النار من الجيران أن لا يذكروا اسم السيد سالخورده في أي مكان، وألا يتحدثوا عنه.

ومن أهم الأدلة على أن الحكومة كانت تقصد قتلي لا غير، وأن المعتدي كان موظفاً حكومياً، أنه بعد أيام من الحادثة كان السيد سالخورده في مقر عمله[249] فجاءه مسؤولون من الحكومة وأخذوا عليه تعهداً بألا يذكر حادثة استهداف البرقعي لأحد.

كما أن الذين أخذوه ليلة الحادث كانوا يسألونه: لماذا جئت إلى منزل هذا الرجل؟! هل تعلم أنه سيحولك إلى منهج أهل السنة؟! فكان يرد عليهم: «أنا من أهل السنة»، ولكن السفاحون لم يصدقوه، فقال لهم سالخورده: «إن كنتم لا تصدقون فاسألوا إدارة غاز مدينة مشهد فأنا من العاملين فيها، وأنا الآن في طهران في نفس الشركة، ويُمكنكم أن تسألوا عني إدارة الغاز في طهران».

بعد ذلك أرسلت الحكومة أحدهم ليأخذ على سالخورده تعهداً، ولو لم يخبر الجناة الدولة بخبر سالخورده وكونه منتدباً في دورة فكيف عرفوا بالخبر؟

وعلى كل حال: أمسكوه وهو في الدورة التي أرسل من أجلها وأخذوا عليه التعهد قسراً، وكل هذا يؤكد بأن الذي يقف وراء حادثة محاولة قتلي هي الحكومة، وثمة قرائن أخرى مثل أن الصحفيين غير الإيرانيين أذاعوا الخبر بينما سكت عن التعليق على الخبر حكومة المراجع، وسكتت صحفهم وإذاعاتهم.

لم أبق في المستشفى إلا عدة أيام، ثم رأيت بأن الخروج أفضل، لاسيما بعد أن قال لي أحد الأطباء في المستشفى: إن بقاءك هنا يعني أن حياتك في خطر؛ ولهذا خرجت من المستشفى في اليوم الخامس، مع أني أعلم أني لست بمأمن لا في المستشفى ولا في البيت، وهذا حالنا وحال شعبنا، وحالة غيري أصعب منّي بدرجات.. والحمد لِـلَّهِ.

عدت إلى البيت وغسلت آثار الدم من لحيتي ورأسي وبدني بمساعدة ابني، ثم كتبت هذا البيان للإخوة الذين أرادوا معرفة ما جرى لي ووزّعته بينهم، وهذا نصه:

[248] الموافق لـ 19/ 6/ 1986 م. (المُحَقِّق) [249] وكان قد أرسل من قبل إدارة غاز مشهد في دورة قصيرة إلى مركز إدارة الغاز في طهران. (برقعي).