الانتقال إلى حارة بامدادان

بعد مدة اشتريت الطابق الأرضي من بیت مكون من ثلاث طوابق أمام وزارة العدل ووزارة الشؤون الاجتماعية في شارع (آزادي) في حارة (بامدادان)، فقد بعت منزلي الكائن في قم ومنزلي في طهران واشتريت هذا المنزل، وهناك كنت أقيم صلاة الجمعة، وكنت أعقد مجلساً للدروس في ليالي الجمعة، وقد خصصت المجلس لتفسير آيات القرآن الكريم، في سنة (1980م) جاءني شخص من زملائي اسمه السیّد «حزب اللهي» وهو رفيق سفري أيام الحج وكان يملك بقالة في شارع « تخت جمشيد» السابق الذي سُمّي بعد ذلك (شارع طالقاني)، وقال: سأبني لك مسجداً، وفعلاً قام بتخصص أرض يملكها في ناحية (تهران پارس)[214] (مساحتها حوالي 530 متراً)، ودعاني لأضع أساس المسجد، ومن ثم صرف لبناء المسجد حوالي ثلاثمائة أو أربعمائة ألف تومان، فاشترى الحديد والطوب وغير ذلك من لوازم المسجد.

وفجأةً علمتُ بأنّ حكومة الجمهورِیة الإسلامية أرسلت شخصاً ليمنع البناء! والسبب أن البرقعي يريد أن يصلي في المسجد ولا يجوز له الإمامة، هنا خسر صاحب البناء لأنه تضرر في تعطيل عمل بناء المسجد، فلم يستطع أن يقول شيئاً أمام هذا الظلم؛ لأن الحكومة اسمها «حكومة إسلامية»، فلا بد من الانقياد والتسليم لكل ما تحكم به، ومن لم يقبل فهو كافر مخالف للإسلام وعدوٌّ للثورة(!!)

لا بد لك أن تتعجب من هذه الحكومة (الإسلامية!) كيف تمنع بناء مسجد، مع أنه بيت من بيوت الله التي يستطيع كل شخص أن يصلي فيه على أي مذهب كان! وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ [البقرة: 114].

ومن العجائب أن الحكومة الإسلامية فرضت على كل من يريد الذهاب إلى الحج أن يعطي 35 ألف تومان ضريبة للدولة.

قامت الدولة الإسلامية بدفع وإثارة جماعات من الغوغاء باسم حزب الجمهوري الإسلامية[215] رافعين شعار:

الحزب هو حزب الله فقط والقائد هو روح الله فقط [216]

فكان أولئك الجماعات المتعصبة الملقبين بالحزب اللهيين، يهاجمون معارضي النظام كل يوم في الشوارع والجامعات بالعصي والسكاكين، بل بسواطير القصابين، فيجرحون ويقتلون المئات ولا يجرؤ أحد على إنكار هذه التصرفات.

وقد رأيت بنفسي عندما كنت في «مشهد» مجموعة من الجُهال يمشون بالسكاكين وكان معهم اثنان من رجال الدين من ذوي العمائم السوداء، وكانوا ينادون بشعار: «الحزب هو حزب الله فقط.. والقائد هو روح الله فقط» وذهبوا إلى جامعة مشهد فضربوا وجرحوا عشرات الأفراد وقتلوا خمسة. وكنا نسمع كل يوم نسمع عن مثل هذه الحادثة في المدینة الفلانية.. ثم المدینة الفلانية.. وكم مكتبة اقتحموها فأتلفوا كتبها بحرقها أو تمزيقها ورميها في مجاري المياه، ولو تجرأ شخص ما فاشتكى للمحكمة فسيجد نفسه خصماً للمحقق والقاضي، مع أن الإسلام يأمر بأن يكون القضاء مستقلاً، وهذا خلاف ما يقع اليوم.

صارت الأوضاع في هذه الأيام على حال لم أر مثلها طوال سبعین عاماً من عمري، والآن أحمد الله أنني معزول من المجتمع و مُجبَرٌ على الجلوس في منزلي لا أملك أي سلطة أو تأثير ، فهذا يعفيني من تحمل مسؤولية مثل هذه الأعمال النكراء، التي تتم باسم الجمهورية الإسلامية مع أنها غير موافقه للإسلام.

وعلماؤهم وجهالهم لا يعلمون شيئاً عن تعاليم الإسلام، والناس لا زالوا في جهالتهم مما دفع بعضهم إلى أن يكون لادينياً أو شيوعياً أو علمانياً أو غير ذلك، وما زالت ثلّة تخادع الناس ويستعينون بالقوة، كما أن معهم مجموعة من الشباب السذج أخذوهم لمقاتلة أهل كردستان وخوزستان، ولا يخلو كل يوم في أطراف الدولة من ضرب وقتل.

فأما من يقتل من جماعة الحكومة فهو بطبيعة الحال شهيد، يعلنون شهادته في الإذاعة والمحافل، وأما قتلى غيرهم فهم جهنميون مخالفون لله ورسوله! وكأن مفتاح الجنة والنار بأيديهم أو أنهم قسيمو الجنة والنار!

وقد قتلوا في (بندر لنگه)[217] مئات الناس من السنة والشيعة، وقتلوا مجموعة أخرى في (گنبد كاووس)[218] وفي كل يوم يحدث قتال ونزاع في «كردستان»، ومع وجود كل هذه الكوارث يريدون تصدير مشروع الجمهورية الإسلامية إلى الدول الأخرى، ولا يعلمون أن الإسلام ليس حبوب أدوية للتصدير، كان عليهم أن يطبقوا الإسلام في بلادهم أولاً، وحينها سيجذبون أنظار الناس نحوهم، وسيسعى الآخرون لمحاكاتهم في العدل والمساواة، وليس بالقوة والتظاهر والتلاعب وتزوير الحقائق.

في سنة 1359 هـ.ش.[219] كنت أقيم صلاة الجماعة أيام الجمعة في منزلي الذي كان في شارع آزادي «سكة بامدادان» فأرسل علماء المذهب الذين يدعون الحرية والعدالة مجموعة من الشرطة في باص، فحاصروني وأخذوني مع أصحابي وسجنونا مدة شهر.

وبعد إطلاق سراحنا من السجن لم أقم صلاة الجمعة خوفاً على أصحابي من خطر مدّعي العدالة، ثم أخذوا ما شاءوا من منزلي وإلى الآن لم يردوها إليّ.. ولم يمتنعوا عن الظلم والتهم والأذية مهما استطاعوا، ثم أخذوني مرة ثانية إلى السجن وفعلوا بي مثل فعلتهم الأولى، وتعرضت لأنواع التعذيب.

وهناك شاب فاضل محقق اسمه أحمد مفتى زاده[220] هو من أهل العلم، اجتمع حوله مجموعة من شباب الأكراد ليعلّمهم القرآن والدين الصحيح، فترك كردستان بسبب ضغوط من بعض الأكراد الموالين للخرافيين في الدولة الإيرانية، وهاجر منها مع أنه من أهل كردستان، والآن سجنه الروحانيون منذ ثمان سنين بالباطل والظلم.

والدليل الواضح لظلمهم أن القاضي المكلف من الدولة حكم بسجنه خمس سنوات ولم يخرج حتى بعد انتهاء سنوات الحكم عليه، فيتضح للقارئ أن هذه الدولة جمعت مع ظلمها عدم التقيد بالدستور الظالم الذي وضعته، فقد سجنت هذا الفاضل المظلوم أكثر مما حكم عليه.

واليوم تمر السنة تلو السنة على حكومة الجمهورية الإسلامية ولا يوجد فيها شيء من الإسلام وقوانينه، بل كثير من أعمالهم في الحقيقة ضد الإسلام وشرائعه.

[214] تهران‌پارس: حي كبير يقع في شرق طهران. (المُحَقِّق) [215] حزب تم تأسيسه في السنوات الأولى بعد انتصار الثورة في إيران، وضم فريق من المفكرين الإسلاميين الأصوليين، منهم عدد من علماء الدين المناضلين من أبرزهم آية الله بهشتي، وقد تعرض الحزب بتاريخ (7/ تير/1360 هـ ش.) ( الموافق 28/حزيران/1981م) إلى عملية تفجير إرهابية بواسطة قنبلة وضعت في قاعته الرئيسية أثناء اجتماع كبار أعضاء الحزب ومؤسسيه، أودت بحياة 72 من كبار رجالات الحزب ومؤسسيه ومفكريه، ثم بعد مدة تم حلَّ هذا الحزب نهائياً. وعرفت هذه الحادثة بفاجعة 7 تير (تير هو الشهر الرابع من أشهر السنة الإيرانية)، وتبنت هذه العملية الإرهابية منظَّمة «مجاهدي الشعب» ذات الاتجاه التجميعي بين الماركسية و الإسلام (وفق المنظور الشيعي). (المُحَقِّق) [216] ليس المقصود هنا «حزب الله» اللبناني المعروف الذي لم يكن له وجود في ذلك الحين، كما لا يُقصد منه حزب سياسي منظم في إيران، بالمعنى المعروف لكلمة الحزب، بل المقصود مجموعات يُطلق عليها الـ«حزب اللهيين» يتألفون من متدينين أصوليين يتَّسمون بالتعصُّب والشدة، ويتَّبعون عدداً من رجال الدين الثوريين المتشدِّدين عبر تنظيم سري، أهم ما يميزهم إيمانهم بضرورة وجود "مؤسسات ثورية خارج جهاز الدولة" من أجل ضمان سلامة النظام، ولهذا كان هؤلاء الأفراد والجماعات يواجهون معارضي النظام ويصطدمون بم وغالبا ما تتسم أعمالهم بالتطرف والعنف. للمزيد: انظر موسوعة الحركات الإسلامية، تأليف: أحمد الموصلي (ص263-264)، التيارات السياسية في إيران، تأليف: سعيد برزين (ص:70)، من يحكم إيران، تأليف: ويلفريد بوختا (ص:40). (المُحَقِّق) [217] بندر لنگه، وبالعربية تُسمَّى (بندر لنجه): ميناء على ساحل الخليج العربي، وهي عاصمة "مقاطعة بندر لنگه" في إيران (جزء إداري من محافظة هرمزكان)، تمتد تلك المنطقة على السواحل إلى الشرق من بندر عباس (هرمز)، حيث استوطنت هناك قبائل عربية من عصور سحيقة قبل الإسلام. انظر: (رحلات في الجزيرة العربية وبلدان أخرى في الشرق، كارستن نيبور (ص: 138، 167). [218] كُنْبَد كاووس: مدينة في إقليم جرجان شمال غرب إيران. (المُحَقِّق) [219] يوافق 1980م. (المُحَقِّق) [220] أحمد مفتي زاده: زعيم سني كردي، ولد عام 1352/1933م، كان والده وعمه من كبار علماء أهل السنة، أنشأ مكتب القرآن لتربية جيل من الشباب على معاني التدين، أسس مجلس شورى أهل السنة والجماعة (شمس)، شارك في الثورة ضد نظام الشاه وأيد الخميني، ودفع كثيراً من الأكراد لنبذ الميول الانفصالية التي تبناها أكراد آخرون، ثم سجن وعذب مع كثير من أتباعه أواخر عام 1982م، لأنه طالب الحكومة بإزالة بعض المواد من الدستور الجديد التي حولت الثورة إلى طابع طائفي، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات إلا أنه لم يفرج عنه إلا بعد عشر سنوات، فخرج وقد اشتد عليه المرض وأصيب بالعمى حتى توفاه الله عام 1992م، وكان آخر وصاياه: أوصيكم ألا تخافوا إلا الله. انظر: الأعلام (1/ 64)، ونظرات في واقع الدعوة والدعاة للطحان (ص: 192).