بيان آخر

هذا بيان كتبته لولاة الأمر يتعلق بالأوقاف، وقد انتشر عن طريق بعض الأصحاب:

باسمه تعالى

إلى المراجع الدينية وولاة الأمور في الحكومة.

بعد تقديم التحية والدعاء..

لقد تحولت مهمة إدارة الأوقاف حالياً إلى خدمة فئة من الناس أساؤوا استخدامها والاستفادة منها، وصارت الأوقاف تُخرج في غير المصارف التي أُوقفت عليها، وقد جاء إليّ بعض الناس وشكوا من ذلك، ولا بُدَّ أن أذكر هنا شيئاً من خياناتهم:

1- الأمناء وناظرو الأوقاف الذين يأخذون الأمانات وغلاّت الأوقاف مستأمنون على تقسيمها في كل بلد، ولكنهم يوزعون القليل منها ثم يستحوذون على الباقي ويبيعونه بأسعار عالية من غير أي مستندات أو حتى لا يثبت تلاعبهم، فهؤلاء يعملون على خلاف الآيات المحكمات ودون رقيب عليهم، وحتى المسؤولون الذين يعلمون عنهم لم يحركوا ساكناً، بل بعض أولئك يتصرفون في الأوقاف بطرق غير شرعية فيسرقون ويرتشون، أو يأخذون الأموال من المستضعفين باسم الفراغة أو بعناوين أخرى، ويُبقونهم مدينين دون تحديد علاقتهم بالعقار إلى آخر عمرهم.

2- البعض يدفع مبالغ كبيرة ليستولي على مساحات واسعة من المزارع، ثم يوزعونها إلى قطع صغيرة، ثم يبيعونها إلى الفقراء والضعفاء بطرق مختلفة، ويربحوا بذلك أضعاف ما دفعوا، وأمثال هؤلاء لا يُعطون أي وثيقة للمشترين، وکذا الحال مع البساتین وسائر الأراضي التي لا یراجع مستأجروها المحاکم لعدم وجود الأوراق الثبوتیة عندهم.

3- الأراضي الموات، والأراضي المفتوحة عنوة ملك لعموم المسلمين، وفي القرآن آيات كثيرة تقرر هذا المبدأ كقوله تعالى: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠ [الرحمن: 10]، والآن نجد أن الأرض التي يجب ألا يملكها أحد قد أوقفوها بدون وجه حق؛ فصاروا سبباً لحرمان أكثر الضعفاء من الشعب، والواجب أن لا يملك مستأجرو هذه الأراضي شيئاً منها ولا أن تضيق إدارة الأوقاف على المستضعفين منهم من خلال رفع الأجارات.

4- الأراضي والأملاك التي يُصرف ريعها للمقابر أو للأموات أو للأئمة الذين ارتحلوا عن الدنيا ولا يستفيدون من هذه الأوقاف؛ كلها أوقاف باطلة وتوجد في المجتمع مجموعة من الطفيليين الذين يأكلون من جيوب الناس، وهذه كلها أعمال باطلة لا فائدة منها، ومن نتائج هذه الأوقاف التضييق على الضعفاء، كما أنها من الغلو، فلا اعتبار لها في الشرع.

ولا بد أن نعلم أن قوله: ﴿وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ [الكهف: 46] لا يشمل هذه الأوقاف، ولكن إدارة أوقاف إيران تنزل هذه الآية في غير محلها، ويمكن أن نقول: إن أكثر الأوقاف هنا من الطالحات وليست من الباقيات الصالحات، لأن الباقيات الصالحات هي نفس عمل العاملين كالصلوات والصوم والأذكار والأولاد الصالحين، وبناء الطرق والمستشفيات، والخدمات الاجتماعية الأخرى واختراع المصانع المفيدة والتمديدات إلى منازل المستضعفين، لأن كل إنسان يعمل لنفسه وعمله ينقطع بعد موته إلا ما ترك مما يدوم نفعه، والناظرون علی رعاية الأوقاف وتنظيمها يحرصون بقاء الإدارة على وضعها لكي يدوم لهم جمع الأموال.

على كل حال: إن كان الواقفون لتلك الأوقاف نووا خيراً بهذه الأوقاف الباطلة فإنها لن تنفعهم في أقل الأحوال؛ لأن الله تعالى هو من يحدد العمل الصالح وفعل الخير المقبول وليس الناس، وكثير من هذه الأعمال لا فائدة فيها، بل هي من أسباب انحطاط المسلمين، ويصدق عليها قوله تعالى: ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣ تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤ [الغاشية: 4-5]، وقوله: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ [فاطر: 8]، وقوله: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤ [الكهف: 103-104]، وسائر أتباع الفرق والأديان يعملون هذه الأعمال بنيّة حسنة، مع أن كثيراً من أعمالهم تخالف نهج الأنبياء وتكون هباءً منثوراً، إضافة إلى أن مثل هذه الأوقاف لا دليل عليها في القرآن. ومن حيث المبدأ فإن الوقف على القبور ذنب من الذنوب، لأن بناء القبور أساساً وعبادة الأضرحة وبناء المنارات وأمثال هذه الأمور كله حرام وإثم. وبناءً على ما ذكرناه فيجب أن تُستردّ مليارات الأموال التي أُخذت من الناس تحت اسم الاستقبال فلابُدَّ من استرداد هذه الأموال من الذين يأكلونها بالباطل.

كتبت هذه المذكرة إتماماً للحجة: ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢ [الأعراف: 172].

خادم الشريعة المطهرة

السيد أبو الفضل العلامة البرقعي