بيان[208]

باسمه تعالى

قال رسول اللهص: «بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً»

هل لرجال الدين واجبات خاصة (تختلف عن واجبات سائر الناس)؟ هل أدّى رجال الدين واجبهم؟ هل يمكن لرجال الدين أن يكونوا موضع أمل الناس؟

أعتقد أن جواب هذه الأسئلة كلها النفي، والسبب: أولاً: أنه لم يوجد في صدر الإسلام طبقة خاصة مميزة بين الناس تُسَمَّى: (رجال الدين)، وكان جميع المسلمين مشغولين بتعلم الدين ونشره، والأمر بالمعروف، كما قال رسول الله ص: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» وجعل الله تعالى هذه الوظائف في عنق الجميع، فما هي الواجبات الخاصة لرجال الدين إذن؟!

ثانياً: إن كانت لهم واجبات خاصة فهم لم يؤدوها قطعاً؛ لأن الفرقة والانقسام حصلت منذ مئات السنين بين المسلمين، ورجال الدين كانوا سبباً رئيسياً لذلك، ونشأت بسببهم أكثر من سبعين فرقة، فهؤلاء الذين يدَّعون المعرفة هم سبب انحطاط المسلمين.

وخذ مثالاً: تجد رجل الدين يكتب في أول رسالته: أصول الدين لا يسوغ فيها التقليد، ولكنه هو وأتباعه يقلدون أسلافهم في أصول الدين والمذهب، ولو سألت أي شخص منهم عن أصول الدين والمذهب؟ فسيقول لك: هي خمسة.

ولو سألته: لماذا نحصرها في خمسة؟! وما الدليل على ذلك؟! لماذا لم يحددها الله تعالى في كتابه بهذا العدد؟! وأين ذكر رسول الله ص والأئمة أن أصول الدين والمذهب خمسة؟! ومن له حق تحديد عدد أصول الدين؛ ألله أم المراجع والعلماء؟! إن الله تعالى لمْ يقل إن أصول الدين والمذهب خمسة.

ولو سألتم: هل أصول دينكم ومذهبكم توافق أصول علي ÷ أم لا؟ لِمَ لَمْ يقل علي÷-وهو الذي أخذ الإسلام عن رسول الله ص - إن أصول الدين والمذهب خمسة؟! ما الفرق بين أصول الدين وفروعه؟! ولماذا وبأيّ دليل يجب أن تكون أصول الدين خمسة لا أقل ولا أكثر؟

بطبيعة الحال لن تجد لديهم أي جواب على هذه الأسئلة.

لقد ذكر الله تعالى في القرآن الإيمان بالله وباليوم الآخر مقترنين كما في سورة البقرة، وسورة المائدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِ‍ِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ [البقرة: 62] نستفيد من هذه الآية أن الإيمان بهذين الأمرين من أصول الدين.

وقال تعالى في مقام آخر: ﴿ عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ [النساء:39].

وقال في آية أخرى: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦ [النساء:136].

أقول: هذه الآيات تحدد الأصول التي لا يتم الإيمان إلا بها، والتي يقع الكفر بإنكارها، بقي علينا أن نعرف هل يضيف الرسول الله ص أو الإمام أشياء أخرى على ما حدده الله؟! هل الأئمة تابعون للدين أم الدين تابع لهم؟!

وهل الإمامة إرشاد للدین الذي نزل أم أن الإمام أصل للدين؟!

هذه التساؤلات وأمثالها لم يجب عليها مراجع الدين حتى الآن، وإن كنا لا نحتاج إلى إجابتهم لأنها واضحة لنا، ولتوضيح أكثر نقول: لمّا أسلم علي ÷ هل آمن بنفسه وبالأئمة من أولاده ليصح إسلامه؟ لماذا لم يبيّن المراجع أحكام الله هذه؟ ولماذا وضعوا للناس أصولاً اختاروها من تلقاء أنفسهم؟! وإن كان شأن المراجع وعلماء الدين هو الإرشاد فهل أدّوا وظیفتهم أم أنهم لم یعرفوها بعد؟!

والآن نتساءل: إن كانت المرجعية الدينية لم تؤدِّ وظيفتها منذ ألف سنة فكيف نأمل منها أن تقدم شيئاً لنا اليوم؟! وكيف نرجو أن يصلحوا شيئاً؟! وكيف يدَّعي التخصص هؤلاء الذين لم يعرفوا واجبهم أصلاً، وكلامهم ليس موافقاً لكتاب الله تعالى، وليس لديهم أي دليل على تحديد أصول الدين والمذهب بخمسة؟!

لقد كان مجموعة من العلماء مرجعاً في عهد الشاه الطاغوت، وحتى الملك والسافاك كانوا يطيعونهم أشد طاعة، فماذا فعل هؤلاء المراجع سوى الترويج لخرافات المذهب وكتمان الحقائق الإسلامية، ونشر البدع والأوهام، ولم يكونوا سوى أناس مزهوين بخرافاتهم، وتركوا الناس في حضيض الجهل والانحطاط بسبب قولهم بوجوب التقليد، وصدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤ [آل عمران: 24].

وارجعوا إن شئتم إلى الملفات السرية الخاصة بعهد الشاه لتعلموا مسؤولية المراجع في السعي لكتمان الحقائق وترويج الخرافات، أو اذهبوا إلى المكاتب الخاصة للرؤساء والوزراء وانظروا أيّ أمور كانوا ينتظرونها من مراجع التقليد في زمن الشاه والتي تحققت لهم فعلاً، فالآن وبعد الثورة لِمَ لَمْ يُحاكَم أي واحد منهم؟! ولم یُحاکَم سوى العوام البسطاء الذين كانت لهم صلة بالسافاك، والأدهى من ذلك أنهم صاروا يحاكمون المصلحين الحقيقيين للناس، وأما رجال الدين المقربون من الشاه الطاغوت فلم يمسهم أي شيء!!

أنا لم أرَ من رجال الدين المعاصرين شيئاً سوى التكفير واللعن وكتمان الحق والظلم والقهر، وإن رأيتم شيئاً آخر فبيِّنوا لي، وحتى تفسيري للقرآن الذي دونت فيه مجموعة من الحقائق، وأبطلت فيه الخرافات، وسميته «قبس من القرآن» مُنع بيد السافاك بطلب من هؤلاء المراجع، نعم هم أنفسهم أولئك (آيات الله!) المقربون من الشاه الطاغوت والذين صاروا الآن مقربين من الإمام الخميني! فآية الله نفسه الذي غصب مسجدي ومنزلي بمعاونة السافاك وأتى بصورة الشاه وزوجته فرح، أصبح اليوم رئيساً لمؤسسة الإسكان الخيري في الجمهورية الإسلامية؟!

لماذا آلت الرئاسات لأمثال هؤلاء؟!

كيف يدّعون اليوم تمثيل الإسلام ونصرته؟! إلى درجة أن بعض هؤلاء المشايخ المفسدين يقولون: إن هُزمنا هزم الإسلام. (سبحان الله!) كأن الإسلام محصور فيهم!

أقسم بالله أن هؤلاء لا يعلمون شيئاً عن الإسلام وعن قوانين الدولة الإسلامية وعن الانتخابات الإسلامية، بل هم سد منيع يصد الناس عن الله وعن الإسلام، وأجزم أن هؤلاء سيُهزمون قطعاً، ولكن الإسلام لن يهزم؛ لأن الإسلام حقائق والحقائق لا تهزم.

هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى أئمة أهل البيت ويدّعون ولاية علي ÷ مع أنهم في الحقيقة أعداءٌ لهم، والله ورسوله بريء منهم، ولو كان علي ÷ حياً لضرب أعناقهم، فهؤلاء زادوا ونقصوا في أصول دين علي ÷ وفروعه.

أيها المسلمون؛ استيقظوا واستنقذوا الإسلام المظلوم من أيدي هؤلاء، والسلام على من اتبع الهدى وخاف عواقب الأمور.

28/7/1358 هـ. ش.[209] خادم الشرع

السيد أبو الفضل العلامة البرقعي

***

أشرت في هذا البيان إلى أن مكاتب كبار مسؤولي دولة الشاه كانت تحقق للمراجع كثيراً من طلباتهم، وأن الوثائق التي وجدت بعد الثورة تدل على صلتهم بنظام الطاغوت، والعجيب أن مكانتهم استمرت بعد الثورة، وأما أنا فلأنني كتبت وتكلمت في محاربة الخرافات والبدع ولم أطلب قبل الثورة سوى رفع الظلم، فإنك تجدني اليوم لا أستطيع الكلام.

أتذكر في السنوات الماضية أمراً كان من العادة في ذلك الوقت، وهو: أن يرسل الشاه في أيام العيد هديةً نقديةً للعلماء المشهورين وبعض أئمة الجماعات، وأذكر أن موظفاً أتاني وقدَّم لي ألف «تومان» هدية، وطلب مني أن أوقع في دفتره إثباتاً لاستلام المبلغ المذكور، فكان معي صهري الشيخ محمود أميدي ورجل آخر من أهل قریة (کَن) وهو السيد مير أفضل سادات، فلم أقبل تلك الهدية على الرغم من إصرارهم على قبول الهدية وقولهم: لیس من المصلحة ردّ هدیة صاحب الجلالة وهدية القصر، وقلت: إني تعودت على القناعة، ولا أرى جواز أخذها، مع علمي بأن كثيراً من المشايخ لا يتورعون عن مثل هذه الأشياء! وقد وقع لي مثل ذلك مراراً وكنت أختار الامتناع عن القبول.

[208] انظر الوثيقة في الملحق رقم 16. [209] يُوافق: 20/ 10/ 1979 م. (المُحَقِّق)