حملة لإبعاد البرقعي عن مسجده

في تلك الأيام اجتهدت في بيان بعض الحقائق المهمة من خلال مؤلفاتي، ومن أهم هذه الحقائق: أن رسول الله ص توفي وليس في الإسلام التقليد المعهود بيننا (أي تقليد المراجع والعلماء)، وأن الأمر بقي على ذلك إلى حدود أربعمئة سنة، فلم يكن الأمر كما هو الآن مجتهد ومقلد، بل كان دين الإسلام دين تعلّم وتعليم، وقد قال رسول الله ص: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»[103].

كما بيَّنت أمراً ثانياً؛ وهو أن الخُمس وما يُذكر من سهم الإمام الذي يأخذونه من الأموال التي يكسبها الناس والتجار هو من البدع التي اخترعها الشيوخ الذين تلاعبوا بالعوام، فالرسولص لم يأخذ ذلك، وعلي المرتضى (ع) لم يأخذ ذلك، والخُمس المذكور في القرآن يتعلق بغنائم الحرب، ولا علاقة له بما يكسب الناس من أعمالهم وتجاراتهم[104].

وبطبيعة الحال فقد كان لبيان هذه الحقائق دور في ازدياد اتحاد الشيوخ ضدّي.. ومع أنني المتبع الحقيقي لأمير المؤمنين علي (ع) في أصول الدين وفروعه، ومجافٍ للبدع والمحدثات، إلا أنهم اجتهدوا في إظهاري بين الناس في صورة المعادي لعلي (ع) ليثيروا الناس عليّ، لكي يحافظوا على دنياهم ويحقِّقوا مآربهم.

ولم يكتفوا بذلك.. بل سعوا إلى أجهزة الدولة السافاك ومجلس الأوقاف ليرفعوا يدي عن المسجد الذي أؤم الناس فيه، فحشدوا لهم المئات من الناس في ميدان «شوش» وغيره وهتفوا بطلب عزلي، وفي الوقت نفسه أتوا بمدير الشرطة ومسؤولي السافاك ليساعدوهم على ذلك، وكانوا قد أعدوا لهم رجلاً ليستلم مني المسجد، وهذا الرجل هو السيد هادي خسروشاهي[105].

وانظروا من اختاروا! فهذا الرجل كان يعمل في الأوقاف في مدينة تبريز، فظهرت منه خيانة في أموال الأوقاف فطردوه من تبريز، فاضطر للانتقال إلى طهران وسكن في حيّنا (وزير دفتر)، وكان طامعاً في إمامة مسجدي؛ فكان من أنشط أهل الحي في التأليب عليّ والكتابة ضدِّي، وكان وسيطاً لإبلاغ أحوالي للمخالفين، وفي العموم كان لهذا الشخص عداوة شديدة مع الموحدين.

وقبل سنوات من إغلاق المسجد قام بإغراء بعض الجهال بمبلغ من المال ليقتلوني في اليوم التاسع عشر من رمضان المبارك.. فسبحان الله! (العجيب أن هؤلاء الشيوخ يدّعون حبّ عليّ (ع) ولكنهم يعملون عمل ابن ملجم قاتل علي (ع)!).

والذي حصل في ذلك اليوم أنني لما فرغت من صلاة الظهر جلست في زاوية المسجد لأستمع إلى المحاضر -أحد الإخوة جاء إلينا في المسجد- وهو الفاضل المفكر، والموحد الصادق، والمحقق الكبير: السيد مصطفى الطباطبائي أيده الله تعالى[106]، في هذه الأثناء جاء الأوباش وظنوا أن المحاضِر هو البرقعي فهجموا عليه، لكن الأستاذ الكبير كان شجاعاً فلم يهرب منهم بل قاومهم، وقام بعض المستمعين وتدخلوا، ولم يسلموا من الإصابات، وقد صُدم الناس بعد هذه الحادثة لاسيما النساء الحاضرات في المسجد.. وبطبيعة الحال فقد أدركتُ ما أراده السفاحون، وحتى لا يصل عمال الشيوخ لمرادهم خرجت من المسجد وقام الناس بإمساك أولئك وسلموهم إلى المسؤولين، ولكنه تم إطلاق سراحهم بعد أيام بسبب تدخل الشيوخ ومراجع التقليد.

حينها أيقنت أني مهدد في مسجدي، ولكني بفضل الله صممت على المضي في بيان حقائق الدين دون تقيّة أو مداهنة، وقد نُشِر خبر هذه الحادثة أيامها مفصلاً في مجلة (رنگین كمان) والحمدُ لِـلَّهِ.

خسروشاهي هذا كان على عداوة شديدة مع الموحدين، ولما كان مقيماً في تبريز كان شديد الوطأة في معاداة الأستاذ الحاج ميزرا يوسف شعار[107]، كما سعى في أذيته.

والآن أخطأ -خسروشاهي- في إصابة مطلوبه؛ فازداد حنقه عليّ، واستمر في مخالفتي، ثم سعى مدةً لدى الشيوخ والوعاظ وبعض المراجع لكي يأخذ المسجد، ومن ذلك أنه زار بعض مراجع التقليد وتعاهدوا فكتبوا وثيقة وقع عليها كثير من أئمة المساجد والوعاظ، موجزها: أن البرقعي وهابي!! وأنه يريد أن يخرب الإسلام!! وكتب بعضهم أيضاً أن البرقعي (يهودي)!! ثم بمساعدة قسم الشرطة رقم 12 والأمن العام وضباط السافاك (المخابرات) وآخرين في الأوقاف هجموا على مسجدنا وأغلقوه وختموه بالشمع الأحمر، وأمسكوا بعض أصحابي وأخذوني إلى الشرطة، ثم منها إلى السجن، وبعد أيام في السجن أخذوا عليّ تعهداً بأن أتخلى عن إمامة الناس، ثم أخذوا ابني وسجنوه يوماً وليلة وأخذوا عليه تعهداً بأن لا يذهب إليّ ولا يتردد عليّ!

[103] أخرجه ابن ماجه في سننه (224) ورواه البيهقي في شعب الإيمان، وابن عبد البر القرطبي في العلم عن أنس و رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وابن عساكر عن ابن مسعود. (المُحَقِّق) [104] ألف السيد الفاضل: حيدر علي قلمداران كتاباً علمياً رصيناً في موضوع الخمس بعنوان الخُمس في الكتاب والسُّنَّة، ولكن لم يتسنَّ له طباعته بصورة مناسبة، وقد طبع على الآلة الحاسبة ووزعت منه نسخ محدودة مرتين.(برقعي). ونضيف أن الكتاب تُرجِمَ إلى اللغة العربية ونشر في بعض مواقع الإنترنت المهتمة بهذا الموضوع. (المُحَقِّق) [105] لا يختلط اسم هذا الرجل مع هادي خسروشاهي المترجم لبعض آثار سيد قطب (المترجم). [106] راجع نبذة عن أحواله في الحاشية التي أرودناها قبل حوالي أربعين صفحة في الكتاب الحاضر. (المُحَقِّق) [107] يوسف شُعَار التبريزي ولد سنة 1320هـ، اشتهر بالاهتمام بالقرآن تدريساً وتفسيراً، يُصَنَّف في إيران بأنه من المتأثرين بمنهج الوهابية - كما يوصف البرقعي وسنكلجي ونحوهم ممن دعوا لترك الخرافات، وقد أسس شُعَار مكتباً لتفسير القرآن في تبريز، وألف كتباً في التفسير منها: المحكمات والمتشابهات في القرآن، وكتاب تفسير سورة الجمعة والمنافقون، وكتاب مقدمة في التفسير، وتوفي سنة 1394هـ.