حملة أهل المنابر على البرقعي

كان عامة أهل مجالس العزاء وقراء المراثي في إيران من الجهلة الذين لا يعلمون الحق من الباطل، ولهذا وبتوصية من السيد الميلاني بدؤوا بالإساءة لي على المنابر وذم كتابي «درس من الولاية» حتى أن أحد أئمة مساجد طهران جاء عندي في البيت وذكر لي أنه يريد أن يكتب رداً علی کتاب «درس عن الولایة»، فقلت له: حسناً.. لِمَ لا تطلب الكتاب أولاً وتقرؤوه بدقة ثم تقوم بالرد عليه، وإذا رأيت أي شبهة رُدَّ عليها بالدليل والبرهان؟! فقال: أنا لا أقرأ الكتب المحرمة!

لاحظوا أيها القُراء الكرام! بأيِّ نوعية من الرجال قد اُبْتُلينا في حياتنا: أناس يكتبون الردود على كتاب لم يقرؤوه ثم يدّعون أنهم أهل علم وفضل وإيمان!

وكما ذكرت مراراً فإن كثيراً من الوعاظ والخطباء المعروفين -بل وحتى الكبار أيضاً- غير مطلعين على كتاب الله تعالى، بل هم بعيدون عن القرآن، ولا يتورعون عن الكلام بغير دليل كما رأيتم قبل قليل، وهذا العمل ناشئ من عدم تقواهم، وعلاوة على هذا فهم في أصول العقيدة يقلدون الآخرين ويتَّبعون العقائد التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وبسبب بعدهم عن القرآن الكريم لا يميزون الروايات الصحيحة من الباطلة، وبمجرد أن يروا خبراً أو حديثاً في أي كتاب يقبلونه ویرددونه علی المنابر مع كثير من المبالغات.

أذكر يوماً أني كنت أريد الذهاب إلى العيادة لزيارة بعض المرضى، فذهبت إلى موقف الباصات، وبينما أنا أنتظر إذ وقفت أمامي سيارة خاصة، وناداني شخص جالس في المقعد الأمامي باسمي، فقال: «السيد برقعي تفضل»، فنظرت فإذا هو الواعظ المعروف الشيخ الفلسفي، فركبت، فقال بعد السلام والتحية: أين أنت يا سيد برقعي؟ وماذا تفعل الآن، فقد انقطعت أخبارك عنا منذ مدة؟

قلت: يا سيد فلسفي! أنا جالس في البيت بسبب عقائدي، لو كنت تعلم عقيدتي لما أخذتني من الطريق؟

قال: ولكن ماذا تقول؟

قلت: أقول: إن قراءة المراثي المنتشرة اليوم (النياحة علی الحسين) محرمة، وأقول: الذهاب إلى المنبر واستماع هذه المراثي حرام، ومساعدة أصحابها حرام.

قال: لماذا؟

قلت: لأن أكثر ما يقوله قُرَّاء المراثي يناقض القرآن، الأمر الذي يجعلهم أعداءً للرسول والأئمة عليهم الصلاة والسلام.

قال السيد الفلسفي: وهل أنا مثلهم؟ هل منبري يجري عليه تحريمك؟!

قلتُ: نعم، حرام!

قال: لماذا؟

قلتُ: حتى تفهم قصدي ومرادي هل تذكر يوم عاشوراء عندما كنت على المنبر الذي في السوق؟

قال: نعم.

قلتُ: كنت في ذلك اليوم عائداً من السوق فسمعت صوتك فعرفتك، فوقفت أستمع لكلامك، وكان مما سمعت قولك: إن الإمام وهو في بطن أمه يعلم كل شيء.

فقال: نعم، لقد ذُكر هذا الأمر في رواياتنا. (يشير الفلسفي إلى الروايات التي تذكر أن الإمام يعلم الغيب وهو في بطن أمه عن طريق أعمدة النور التي يراها أمامه ويرى منها كل شيء!).

فقلت: أولاً: إن هذا القول يخالف القرآن الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿والله أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78].

ثانياً: ذَكَرتَ في آخر موعظتك صحراء كربلاء، وقلت: عندما جاء الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة منعوه من دخولها، حيث وقف الحرّ أمامه ومنعه من دخول الکوفة، فاضطرّ الإمام الحسين إلى سلوك طريق آخر وکان الحر يتعقبه، حتى وصل إلى مكان امتنع عنده فرس الإمام عليه السلام عن الحركة، فحاول الإمام تحريكه ورفع صوته علی الفرس فلم يتحرك، فبقي الإمام متحيراً لمَ لا یتحرك؟! فرأى الحسين أعرابياً فناداه وسأله: ما اسم هذه الأرض؟ فقال الأعرابي: الغاضرية (القاذریة).

فقال الحسين: ما اسمها الآخر؟

فقال: شاطئ الفرات.

فقال الحسين: ما اسمها الآخر؟

فقال: نينوى.

فقال الحسين: ما اسمها الآخر؟

فقال الأعرابي: كربلاء.

فقال الحسين: نعم، لقد سمعت من جدّي قوله: مرقدك كربلاء[84].

قلت بعد ذلك: يا سيد فلسفي! هذا الإمام الذي كنت تقول في أول الخطبة إنه يقرأ القرآن ويعلم كل شيء وهو في بطن أمه، كيف عرف الفرس الأرض ولم يعلمها الإمام إلا بعد سؤاله الأعرابي؟! يا سيد فلسفي ما هذا الإمام الذي تزعمون؟! يعلم فرسه قبله!! معاذ الله! هل هذا هو مقام الأئمة؟ هل هذه هي معارف الإسلام؟ لماذا لا تتأملون في الروايات وتدققون فيها؟!

وليعلم القارئ أن السيد فلسفي يُعدُّ من أحسن وعّاظهم.. فتأمل كيف سيكون حال أهل المنابر الأخرى!

كانت عادة أهل المنابر في تلك الأيام إذا أرادوا أن يجذبوا الناس إلى خطبهم أن يتكلموا في موضوع الولاية، فيدعون الناس إلى الولاية ثم يطعنون فيّ ويسبونني.. علماً بأن هؤلاء الخطباء لم يكونوا يعلمون ما هي الولاية!

أذكر أني أردت رؤية شخصٍ فذهبت إليه في سوق الحدادين في طهران فلم أجده، فأخذت أبحث عن مكان أقف فيه لعلّه يمرّ منه، فرأيت في أحد الأزقة رايةً منصوبةً للدلالة على مكان حسينية، فرأيت من المناسب أن أجلس فيها وأستمع للموعظة حتى يأتي صاحب المحل ويفتح معرضه، وفي مجلس العزاء شاهدت شخصاً على المنبر اسمه: (عماد زاده) كان يتحدث عن البرقعي بأنه ينكر الله والرسول، ويتنكر لجدّه الإمام، وفيه كذا وكذا.. وأخذ يتحدث عني نصف ساعة كلها تُهَم وقول باطل.. وأنا أسمع.

الحقيقة أنني وقتها تلفّتُّ حولي لأرى هل في المجلس من يعرفني؟ مخافة أن أتعرض بعد كلامه للضرب والإهانة، فلم أرَ أحداً أعرفه أو يعرفني ففرحت.

وعندما نزل الخطيب عن المنبر وأراد الخروج من المجلس لحقته حتى خرج في الزقاق، وقلت له: طيب الله أنفاسكم، ثم قلت: يا سيد هل لقيت البرقعي شخصياً؟

قال: لا.

قلتُ: هل قرأت شیئاً من کتبه؟

قال: لا.

قلتُ: فمن أين عرفت هذه التهم؟ وما هو الدليل على أنه ضال منحرف؟

فقال: أنا أنقل ما قال آية الله الميلاني.

فقلتُ: ينبغي للميلاني أن يفتي في الفروع ومسائل المذهب وليس في الطعن في نوايا الأشخاص:

أولاً: لأن الله هو العالم بالشخص الخبيث من الطيب.

ثانياً: لأنك واعظ وتقرأ وتكتب، فكان الأحسن ألا تذم البرقعي دون أن تقرأ شيئاً من كتبه؛ لعلك ترى عنده جانباً طيباً، كما ينبغي أن لا تقلدوا في الحكم على الأشخاص.

فقال: نعم.. أنا لم أقرأ له أي كتاب.

وكان معي كتابٌ صغيرٌ من تأليفي حول: «دعبل» وهو اسم الشاعر الذي أنشد قصيدة في مدح الإمام الرضا (ع)، وكنتُ قد ترجمت في الكتاب قصيدته وشرحتها وطبعتها، فقلتُ: عندي كتابٌ للبرقعي، فهل أعطيكم إياه لتقرؤوه ثم تعطوني رأيكم في الكتب بالهاتف؟! فقَبِل وأخذ الكتاب وأعطاني رقم هاتفه ثم تفرقنا.

وبعد أيام اتصلت به هاتفياً وسألته: هل قرأت كتاب «دعبل»؟ قال: نعم، فقلت: ما رأيكم فيه؟ قال: كلامه حسن، وهو رجل مؤمن وعالم وأديب، قلت: فلماذا إذن أسأت القول فيه؟ قال: في الحقيقة أنا مخطئ.

قلت: فأنت مسؤول بأن تعتذر منه، قال: حسناً! قلت: فاعلم أن السیّد الذي وقف معك في الزقاق وأهداك كتاب «دعبل» هو البرقعي نفسه، فقال: اجعلني في حلّ، قلت: لا أجعلك في حلّ لأنك أسأت القول في حقي على المنبر، وعليك أن تذهب إلى المنبر وتخبر الذين استمعوا لك أنك أخطأت حتى أجعلك في حلّ.

وكان هناك شيخ آخر اسمه: أحمد الكافي[85]، كان صاحب مراثي وصوت حسن، وكان العوام يحبُّون مواعظه، وقد أعطاني أحدهم يوماً شريطاً له وهو یخطب علی المنبر أمام المستمعین، وكان مما قال فيه:

«يا الله بحق الإمام الحسين اجتث البرقعي من جذوره»، والناس يُؤَمِّنون بصوت واحد!

وسبحان ربي! فقد رجع دعاؤه عليه، فما لبث أن مات بعدها على طريق مشهد في حادث سير.

وكنت أسير يوماً في شارع جمال زاده فصادفني سيد طويل وعليه ثياب رجال الدين، وسلم عليّ، ثم جرى بيني وبينه حوار عن البرقعي (وهو لا يعرفني)، وقال: أنتم لا تعرفون حقيقة هذا الرجل، هل تعلم أنه يُصرَف له ثمانين آلاف تومان من السعودية؟! وأنه يصرف لطلابه ستة عشر ألف تومان؟! فقلت له: هل لديك دليل على هذا القول؟ فقال: نعم، أوراقه موجودة عندي!

وعلى كل حال، وصل الأمر بنا إلى هذه الحال، فقد اتَّحَدَ عليّ أصحاب المنابر وقُرَّاء المراثي وغيرهم ممن لا خير فيهم مع أنهم قلّما یتَّحِدُون على أمر، فكلهم اجتمعوا على اتهامي وسبي ولعني في كل محفل، علماً بأن أكثرهم لا يعرف شيئاً مما قلت.. ومع أني كلما كتبت شيئاً أُبين أني مستعد لمناقشة كل من لديه إشكال، وأنا جاهز للحوار مع من يكتب لي رأيه بالدليل.. ولكنهم لم يكتبوا إلا ما يجلب لهم المال.

يمكنني القول بأنهم كتبوا في الرد على العقائد التي أوضحتها حوالى مائة كتاب، وقد طالعت أكثرها فلم أجد فيها شيئاً يستحق النظر والتأمل ولم أجد فيها سوى السبّ والشتم والتهم والافتراءات والمغالطات المضحكة، وبعض التأويلات الفاسدة، والحيل الإسرائيلية، والاعتراضات الهشة، ولم أجد واحداً منهم نقل كلاماً لي ثم ردّه مع الأدلة، فما هي إلا سباب وتكفير واتهامات باطلة!

وليس من المستبعد أن تكون دولة الشاه الطاغوتية المتحالفة مع اليهود هي التي تقف وراء صدّ الناس عن الحقائق التي أوضحناها حتى لا يعرف الناس حقائق الإسلام، و حتى يعطِّلوا أي خطوة حقيقية في طريق الوحدة الإسلامية، ومن غير المستبعد أن تكون لهم يد في هذه الحملة، لأنهم يخافون من الإسلام الحقيقي، وقد سمعتُ من مصدر أثق به أن اليهود ترى أن بعض الشخصيات مصدر خطورة وأن البرقعي واحد منهم.

وتطور الأمر فصمموا على قتلي، وأصدر أحد الشيوخ الجهال فتوى بقتلي، وكان هذا الجاهل سيداً يُسَمَّى بـ «علوي» وكان صهر آية الله البروجردي، وقد أعلن بأنه جمع مئتي ألف تومان سيكافئ بها من يقتلني.. وأظن بأن المحرِّض له دولة الشاه وجهاز مخابراته (السافاك) واليهود، والأمر ذاته مع كثير ممن تزعموا تكفيري وتفسيقي وسبي على المنابر، فقد كانوا على علاقة مع الدولة وجهاز استخباراتها السافاك، وهؤلاء هم: الحاج أشرف كاشاني صاحب المراثي، والشيخ جواد مناقبي، ومحمد رضا نوغاني، والسيد إبراهيم ميلاني، والسيد شجاعي، وغيرهم ممن انكشفت علاقته بدولة الشاه لما أُطيح بنظام الشاه وقامت الجمهورية المُسَمَّاة بالإسلامية، فظهرت الوثائق الدالة على علاقتهم بالسافاك.

[84] البهبهاني: وفي رواية عن أبي مخنف في مقتله بإسناده عن الكلبي أنه قال: وساروا جميعاً إلى أن أتوا إلى أرض كربلاء، وذلك في يوم الأربعاء، فوقف فرس الحسين عليه السلام من تحته، فنزل عنها وركب أخرى فلم تنبعث من تحته خطوة واحدة يميناً وشمالاً، ولم يزل يركب فرساً بعد فرس حتى ركب سبعة أفراس وهن على هذا الحال، فلما رأى الإمام ذلك الأمر الغريب، قال: يا قوم! ما يقال لهذه الأرض؟ قالوا: أرض الغاضرية. قال: فهل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى نينوى، قال: هل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى بشاطئ الفرات، قال: هل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى كربلاء. قال: فعند ذلك تنفس الصعداء، وقال: أرض كرب وبلاء، ثم قال: قفوا ولا ترحلوا، فهاهنا والله مناخ ركابنا، وهاهنا والله سفك دمائنا، وهاهنا والله هتك حريمنا، وهاهنا والله قتل رجالنا، وهاهنا والله ذبح أطفالنا، وهاهنا والله تزار قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدي رسول الله ولا خلف لقوله. [85] خطيب مشهور من أهالي مشهد، كان خرافياً تدور معظم خطبه حول الإمام الغائب وظهوراته وحول معجزات الأئمة ومقاماتهم ونحو ذلك مع مهاجمة الإصلاحيين والمتنورين، وكان يلقي خطبه في قاعة بطهران باسم المهدية، توفي في حادث سير قُبيل انطلاق الثورة الإيرانية. (المُحَقِّق)