في مدينة مشهد

في إحدى إجازات أيام الشتاء انتهزت الفرصة وسافرت إلى مشهد[67]، ودعاني هناك بعض أهلها للصلاة في مسجدهم وإلقاء الدروس، فقلت لهم: إن للمسجد إماماً والمكان لا يسع للدروس، فقالوا: إذن نضع السجَّاد في الصحن العتيق وتلقي الدروس في الليل، فقبلت.

ففرشوا صحن المسجد بالسجَّادات، وفي الليلة الثانية اجتمع عدد كبير حتى وصل عدد المبلِّغين (الذي يُبلِّغون الكلام لمن بعدهم) إلى خمسة، وجاء بعض طلاب العلم في هذه الأیام وطلبوا مني أن أبدأ معهم بدرس، فلبَّيت لهم طلبهم، وبدأنا حلقات التعليم في مدرسة ميرزا جعفر، وبعد الدرس قال الطلاب: إن درسك أفضل بكثير من دروس سائر المراجع عندنا، فلو بقيت في مشهد لتواصل التدريس فستصبح مرجع التقليد هنا بلا ريب.

وجاء آخرون واقترحوا أن نضع رواتب شهرية لطلاب العلوم الشرعية، وجاء واعظ من أهل مشهد يعرف بـ «نوغاني» وقال: نحن نثني على آية الله الميلاني[68] ونعّرف الناس به كمرجع للتقليد، ويعطينا على ذلك مائة تومان في كل مرة نذكره فيها، وحتى لو ذكرناه خمس مرات فهو يعطينا خمسمائة تومان - وكانت المائة تومان وقتها تساوي مبلغاً كبيراً- فلو أعطيتنا مبلغاً لنذكر اسمك على المنابر ونمدحك للزوار؟

فقلت: أولاً: ليس لدي مبلغ لأعطيكم إياه.

ثانياً: حتى لو كان المبلغ عندي فلن أنفقه في هذه الأمور.

وبعد أيام جاء خُدّام المسجد، وقالوا: لقد اتفقنا مع آية الله الميلاني على أن أي زائر يأتي، نربطه بآية الله ميلاني؛ لكي يؤدي له الوجوهَ الشرعية[69]، فيعطي لنا سهماً من كل ما يأتيه من خلالنا، فإن كنت ستعطينا سهماً محدداً مثله من الوجوه الشرعية التي تأتيك، فنحن مستعدون لأن نأتيكم بالزوار، فقلت لهم: ليس هذا من طريقتي.

وفي يوم آخر: جاءني ضابط برُتبة عقيد اسمه صالحي وهو مسؤول عن حماية ذلك المسجد، وقال لي: طريقتنا في مشهد ألا يؤم الناس في هذا المسجد إلا من لديه تصريح رسمي. فقلت له: يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ... [البقرة:43]، فهذا أمر الله وإذنه الذي لا نحتاج معه لأي تصريح من أحد.

وعندما رأيت الأوضاع في مشهد هكذا: مضايقات من المشايخ، وتدخلات من الدولة؛ قررت مغادرتها والرجوع إلى طهران.

وفي هذه الأيام كان المسجد خالياً في طهران، فبدأت في القراءة والتأليف، وكنت في بعض أيام الصيف أسافر للدعوة في المدن المختلفة، وعندما ألقي الدروس والخطب في المساجد وعلى المنابر أركز على توضيح العقائد الصحيحة، وكشف العقائد الباطلة، وبيان ذلك للعوام، وكنت كلما ألفت كتاباً يعاديني أصحاب «دكاكين الباطل»، فعندما ألفت كتاب «عقل ودين» وهو كتاب في الرد على أهل الفلسفة، وبيان مناقضة عقائد الفلاسفة للقرآن الكريم، لم يعجب الكتاب المشايخ الذين يروجون للفلسفة اليونانية، وعندما ألفت كتاب «فهرس العقائد الباطلة للشيخية» لم يعجب ذلك الشيخية وأظهروا العداوة لي، ولما ألفت كتاب «الشعر والموسيقى» وبينت مفاسدها عاداني الشعراء والمداحون الذين يرددون الأشعار في المناسبات الدينية، ولما ألفت كتاب «أحكام القرآن» عاداني العلماء الخرافيون.

غلاف كتاب عقل ودين

في الحقيقة: لم أكن أظن أن عامة مشايخ المذهب أهل خرافة وأنهم بعيدون عن الحقيقة.

وفهمت أخيراً أن جميع المشايخ في سائر المذاهب والأديان هم في الغالب يتّخذون من الدين والمذهب طريقاً للاعتياش وطلب الرزق، وأنهم يهتمون بالدنيا والمال أكثر من اهتمامهم بالدين، ولهذا نرى غالب أبنائهم غير متدينين؛ لأنهم رأوا من آبائهم أن التدين إنما هو تصنّع من أجل الدنيا؛ ولهذا فهم يتَّبعون خُطى آبائهم في جعل الدين والمذهب دكاناً يسترزقون منه.

ومما رأيت أن العوام في كل مذهب ودين يثقون بكلام مشايخهم وعلمائهم الذين يقتدون بهم ويتعصبون له، ولا يتأملون المسائل، ولا یفكرون أبداً أنه من الممكن أن يأتي يوم يخالفون فيه شيخهم أو يُخطّئونه في تصوره أو رأيه، فضلاً عن أن يقع مرجعهم وشيخهم في خلل عقدي! وهذا واقع مؤلم!

ولهذا فإن إخراج أهل أي مذهب من الخرافات والعقائد الباطلة صعب جداً، فالخرق قد اتسع على الراقع.

في هذه الأيام كانت الدولة قوية والشعب ضعيفاً، والملك يتلاعب بدين الناس، وكل مذهب لا يستطيع أن يُرَوِّج لأي شيء حتى الخرافات إلا من خلال الاتِّصال بالدولة أو الملك، فالصوفية والبابية والشيخية كلها كانت قد ربطت نفسها بالدولة والملك، وكان الملك ينسب نفسه للشيعة والتشيع مخادعة للناس، ويُجاريهم في خرافاتهم، ومن تلاعباته أنه قال يوماً: كنت في طريقي لزيارة أحد ذرية الأئمة وكدت أن أسقط عن الفرس فجاء إمام الزمان وأمسك ظهري وحفظني من الهلاك.. وقال مرَّةً أخرى: أن أبا الفضل العباس أمسكه من جنبه ونحو ذلك من الأباطيل والخدع[70].

[67] مشهد: من أكبر مدن خراسان في إيران، وكانت تسمى قديماً (طوس)، فتحت في أيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفيها الإمام الرضا علي بن موسى (ع) (الإمام الثامن لدى الإمامية)، ويُطلق على ضريحه الروضة الرضوية. [68] الميلاني: آية الله محمد هادي بن جعفر بن حسين الميلاني، مرجع شيعي سابق، نزح من المدينة إلى ميلان، ولد سنة 1313هـ، وتوفي سنة1395هـ، عُرِفَ بضيق النظر والتقليدية وشدّة التعصُّب ومعارضة كل فكر تنويري إصلاحي، انظر ترجمته ضمن كتابه (المحاضرات قسم الزكاة). (المُحَقِّق) [69] المقصود من الوجوه الشرعية الأموال التي يجب على المسلم أداؤها لاسيما الخُمس -عند الشيعة الإمامية- والزكاة والنذور والكفَّارات ونحوها. (المنقِّح) [70] قال (محمد رضا بهلوي) شاه إيران في لقاء صحفي مع صحفية إيطالية: أنا لم أكن وحيداً فريداً بل تسعفني قوة لا يتمكن أن يراها أحد، قدرة خفيّة باطنية وإنني أستقي منها أوامر دينيّة، لأنني شخص مبدئي وملتزم جداً، وكنت مع الله وأنا في الخامسة من عمري، يعني أنه كان ملهماً من ذلك الزمان. الصحفية: إلهام، يا صاحب الجلالة؟ الملك: نعم إلهامات! الصحفية: من أي شيء؟ وممّن؟ الملك: آه أتعجب منكم لأنّكم لا تعرفون شيئاً حول هذا الموضوع، الكل يعلم ويعرف ما كنت أرى من رؤيا، فإني كنت ألهم في رؤياي، وكانت إرهاصات في أوائل عمري عند ما كان عمري خمس سنين، والثانية في السادسة من عمري، ففي الأولى رأيت الإمام الحجة الشخص الذي على أساس مذهبنا غائب وسوف يأتي وينقذ العالم، وذلك عندما حدثت لي حادثة ووقعت علي صخرة فحال الإمام  بيني وبين الصخرة، وإني رأيته بعيني لا في الرؤيا، وأنا الوحيد ممن رآه. (انظر كتاب: من قصص المستبدين لمحمد الشيرازي (ص: 34) نقلاً عن صحيفة أوريانا فالاجي).