(ذكرياتي في مسجد حي وزير دفتر)

هنا في طهران اشتغلتُ بالإمامة وإرشاد الناس في مسجد حي وزير دفتر، وكان هذا المسجد قد بنته خالة مُصَدِّق، ولم يكن للمسجد أوقاف كثيرة يُستفاد منها، بل فيه أوقاف بسيطة هي عبارة عن دكاكين أُجِّرت بأثمان زهيدة، وهذه الأموال كان يأخذها المسؤول محمد ولي ميرزا فرمانفرمائیان ويُنفقها على بناء المسجد، كما يُعطي منها حقوق خُدّام المسجد، ولم يكن لي أي فائدة إلا منزلاً صغيراً جداً بجوار المسجد، وقبل أن أصير إماماً للمسجد كان له إمام فمات، فطلب السيد فرمانفرما من آیة الله الكاشاني إماماً للمسجد فرشَّحني، وجاء معي وقدّمني لصلاة الجماعة وصلى خلفي، وهكذا صرت إماماً لهم.

وبعد فترة يسيرة دبّ الخلاف بين مُصَدِّق والكاشاني، وانسحب ذلك عليّ، فصار الناس في الحي مختلفين عليّ، فبعضهم عاداني بسبب صداقتي للكاشاني، ومن أشدهم عليّ شخص اسمه: عبد الرحيم، وهو عامي أناني جاهل، يملك مخبزاً، وقبل مجيئي كانت جميع الناحية تابعة له، فكان يجمع الناس في كل عاشوراء، ويحشد الأوباش الجهلة، ويدعو قُرَّاء المراثي ويُنَظِّم العزاء في المسجد، ويأخذ مبالغ طائلة من التجار وأعيان المنطقة من وراء ذلك. وكان يقف بنفسه بلباس أسود بجانب المسجد فيُرَحِّب بالناس، ويدعو كلَّ قارئ خرافي للمراثي، وخاصّة أصحاب الأصوات الجميلة الذين لا يقولون للناس شيئاً يُفيدهم في دنياهم ولا في آخرتهم.

ولما أصبحت إماماً لهذا المسجد كنت بين خيارين:

الأول: أن أسير على طريقة هذا الرجل وأُصَوِّبها وأُثني عليه، وحينها سيكون تابعاً لي، وسأُشاركه في أكل أموال الناس بالباطل.

الثاني: أن أقول الحق، وأمتنع عن هذه الانحرافات، وبطبيعة الحال سأقف في طريق مصدر رزق الحاج عبد الرحيم، فسيكون هو وأتباعه أعداءً لي في هذا الحي، ومثله شخص آخر اسمه السید عباس قاري.

وأما أنا فقد عزمت على الابتعاد عن طريق المُرائين المُتاجرين باسم الدين.

نعم، إن كثيراً من الشيوخ الموجودين في المساجد يأخذون بالطريقة الأولى، وهكذا يعيش الشيخ وكبير المنطقة بكل سرور.. يأكلون أموال الناس ويمتصون دماءهم.. ولكنني لم أرتضِ ذلك لنفسي.

في أول سنة صليت فيها في المسجد دخل علينا عاشوراء في فصل الشتاء، وفي نصف الليل استيقظت من النوم على إثر ضجيج وأصوات مرتفعة، فذهبت لأستطلع الأمر، فوجدت مجموعة أغلقوا باب المسجد وخلعوا ملابسهم وأحدهم يقرأ مراثي حسينية، يذهبون إلى حوض المسجد فينغمسون فيه ثم يخرجون وبكل سوء أدب قد یتضرطون أمام بعضهم، وبعد أن أكملوا العزاء في ذلك المساء ظلوا في المسجد يرقصون ولم يصلوا معنا صلاة واحدة حتى وقت المغرب والعشاء، فكنا نُصلي مع الجماعة وهم يتمازحون ويتكلَّمون ويُشَوِّشُون على المصلين.

في الحقيقة ضاق صدري كثيراً وتساءلت: ماذا ينبغي أن أفعل؟!

لكنني في النهاية رأيت أن لا أتدخل في أمرهم، وداريتهم حتى انتهى عاشوراء ذلك العام.

وبعد أيام من عاشوراء جعل بعض قراء المراثي يأتون إلى باب منزلي، ويقولون: يا سيد لم لا تعطينا أجرة قراءة المراثي، أعطنا ولو شيئاً يسيراً. فكنت أقول لهم: لا دخل لي بذلك، اذهبوا إلى من دعاكم إلى هذا العمل.

بقينا سنتين وهذا العمل الشاذ يتكرر في شهر محرم ورمضان، فشاورت بعض أصحابي بماذا ينصحوني بخصوص هذا الأمر؟

فقالوا: إن هؤلاء لن يمتنعوا عن هذا العمل بسهولة؛ لأن يوم عاشوراء يجلب لهم مصروف سنتهم من سكان الحي والمارة، ثم يبقى الواحد منهم سنة كاملة ينتظر عاشوراء الآخر ليأخذ رزق السنة الأخرى.

يجب أن أقول: إن من أكبر الأخطاء في واقعنا تصدّر الجُهَّال في الأحياء لأمور الدعوة، ولهذا نجد كل واعظ يأتيهم فيضطر لمجاراتهم، فيكذب ويحدِّث بالآثار المكذوبة التي تُوافق أهواءهم؛ لكي يُرضيهم، وكل من يُعارضهم وينشر الحقائق يضربونه.

قلت لأصحابي: ما الحل؟

قال أحدهم: ينبغي أن تتماشى معهم.

وقال آخر: هذه ضريبة أن تكون إماماً للمسجد.

وقال ثالث: أقترح بأن تستغل يوم عيد الفطر، فتُعلن للناس من على المنبر بأنك سوف تحيي عاشوراء بنفسك، وأنك لا تريد مالاً من أحد، وأنك لن تُعطي أحداً مالاً، واختر بنفسك واعظاً جيداً، واستمر على ذلك سنة أو سنتين حتى تنقطع صلة الحاج عبد الرحيم ومن معه بهذا الأمر.

وفعلاً أعلنت يوم عيد الفطر للناس على المنبر أنني المسؤول عن إدارة عزاء عاشوراء، وأنني لن آخذ أو أعطي شيئاً، وعندما دخل شهر محرم وجدت نفسي مضطراً لتعليق الخرق السوداء في المسجد- كما كانوا يصنعون في السنوات السابقة- واخترت قارئ مرثيات مناسب، ووقفت في استقبال الناس، وإذا بالحاج عبد الرحيم وأتباعه قد أتوا لإيذائي وتخريب ما رتبناه، فكانوا يأتون أثناء الصلاة ویرفعون أصواتهم ويضحكون ويُشَوِّشون علينا، ويتكلمون عليّ بكلام سيئ، بعضهم يقول: هذا السيد غير سويّ، وآخر يعيب عمامتي، وثالث يعيب عباءتي.. وهكذا.

صبرتُ على هذه الحال حتى مضت عدة سنوات ونحن على هذا المنوال، وعندما وجد أولئك الأوباش أنهم لن يستطيعوا تغيير الأمور لصالحهم دفعوا إلي رجلاً من العامة اسمه: الحاج حسين أحمدي تبريزي، کان رجلاً ساذجاً قلیل العلم، فجاءني عندما اقترب شهر رمضان وقال: ائذن لي أن أُحيي المسجد في ليالي هذا الشهر، سأُحضر واعظاً لدعوة الشباب، وسأتكفل بمصاريف هذا الشهر كله، أنت يا سيد رجل مجتهد، وينبغي أن لا يخلو مسجدكم من هذا.

في الواقع أحسنت الظن به فقبلت، وطلب مني ألا أتدخل في إدارة ذلك.

وفي نهار أول يوم من رمضان دخلت المسجد لأُصلي فرأيت بُسط المسجد قد رفعت وجاء ببنّاء لينقلوا مشربة المسجد -مکان یُسوّی فیه الشاي في المساجد- من غربه إلى شرقه، قلت له: لا يجوز التصرُّف في المسجد ومشربته بل في جميع مرافق المسجد، والمسجد لا يحتاج إلى مشربة أخرى، فلم يسمعوا كلامي، وقالوا: سنُعيد كل شيء إلى موضعه آخرَ الشهر، ودخلتُ المسجد في الليل فرأيت الحاج عبد الرحيم ومعه أتباعه يُديرون المسجد ويسقون الناس الشاي؛ ففهمت حيلتهم، ولكن للأسف فهمتها مُتأخراً، فرأيت أن أتريث وأصبر.

جاء واعظهم وبدأ يمدحهم ويُمجّدهم، ثم أخذ يُسيء القول في حق خلفاء رسول‌اللهص، ويطعن بهم ويشتمهم، ويتكلم كل ليلة عن ولاية علي (ع)، فتعجَّبتُ: هل في المسجد من ينكر ولاية علي (ع)؟ واستمر كلَّ ليلة يُعيد هذا الموضوع، عندها تدخلت وقلت له: يا سيد، كثير من شبابنا في هذه الأيام بعيدون عن الإيمان بالله واليوم الآخر، والأجدر بك أن تتكلم في هذه الأمور فهي أولى.

قال: أنا أتحدث في الموضوع الذي طلبه صاحب المجلس.

ذهبت إلى الحاج حسين وقلت له: لا يُوجد أحد هنا ينكر ولاية علي (ع) حتى تأمر الواعظ أن يتحدث عن موضوع الولاية ولعن الخلفاء في كل ليلة.

قال الحاج: مؤخراً تحوَّل أحدهم إلى مذهب أهل السنة، فنحن بحاجة إلى الكلام عن هذا الموضوع.

قلت: من هذا الرجل؟ قال: السيد مصطفى.

قلت: لا يوجد في حارتنا أحد يُسَمَّى بهذا الاسم.

قال: أنت لا تعرفه، إنه يسكن في «شميران».

قلت: إن ما بين حارة «شميران» وحارتنا «شاهبور» مسافة بعيدة جداً، اذهبوا إلى شميران وكلموهم، ما ذنب أهل هذه الحارة؟!

في ذلك الوقت لم أكن أعرف السيد مصطفى، وقد علمت بعد ذلك أنه شاب فاضل عاقل محقق، يسكن في شميران، وهو حفيد آية الله العظمى ميرزا أحمد الآشتياني، ويُعرف بـ«السيد مصطفى حسيني الطباطبائي»[61]. وهو بلا ريب يتولى علياً (ع)، بل يَعُدُّ نفسَه من أعظم المحبين الحقيقيين لعلي (ع)، ويرى أنه من الملتزمين بعقيدة علي (ع) ومنهجه، وعقيدته في علي (ع) أن علياً تابع للدين وليس أصلاً للدين ولا من فروع الدین.

وعلى كل حال ابتُلينا تلك السنة بأولئك الأشخاص الذين كانوا يزعمون أنهم دعاة وهم لا يُصَلُّون معنا جماعة ولا ندري هل يُصَلُّون فُرادى أم لا؟ ونحن لم نُشاهدهم يُصَلُّون!

ولما حلَّتْ ليلةُ التاسع عشر من رمضان اجتمع الناس اجتماعاً كبيراً، فقال الواعظ من على المنبر: إن سجَّادات المسجد قد بَلِيت فنطلب منكم أن تتبرَّعوا بأموالكم لنُجَدِّد سجَّاد المسجد، ولابُدَّ أن یدفع إمام المسجد قبل الآخرین، فقبلتُ ودفعتُ مائتي تومان وکتبوا اسمي، فجمعوا مبلغاً كبيراً، ثم انتهى رمضان وانتظرناهم ليُعطونا شيئاً نشتري به ما زعموا ولكن لم نرَ شيئاً، بل علمتُ بعد ذلك أنهم خدعوا خادم المسجد، وأخذوا السجَّاد القديم وقالوا: سنأخذها إلى شخص يغسلها من وَقْفٍ خصصه لغسل سجَّادات المساجد وتنظيفها.

مضى شهران بعد رمضان ولم نرَ أحداً ممن جمعوا الأموال، ثم رأيت أحدهم في الشارع بعد مُدّة فسألته: ماذا فعلتم بخصوص سجَّاد المسجد؟ فأجاب: لقد جمعنا المبلغ من الناس لنشتري السجَّادات الجديد ولكننا لم نُعيِّن مسجداً معيناً!

على كل حال: أكلوا المال المُخصَّص لشراء السجاد للمسجد ولم يعودوا، ولبجاحة بعضهم كانوا إذا جاءوا إلى المسجد بعد هذه الحادثة يتكلمون عليّ ويذمون أخلاقي، والحقيقة أنني ارتحت من شرِّهم لما ذهبوا.

[61] السيد مصطفى حسيني الطباطبائي عالمُ دينٍ مجتهدٌ ومحققٌ ومجدِّدٌ ومتبحِّرٌ معاصرٌ من أهالي طهران. وُلِدَ عام 1935م وهو من أحفاد آية الله السيد محمد الطباطبائي الكبير من قادة الثورة الدستورية في إيران عام 1906م ، كما أنه حفيدٌ من طرف والدته للعلامة الآشتياني الذي كان من مجتهدي الشيعة البارزين في طهران. بدأ السيد مصطفى الطباطبائي دراسة العلوم الدينية منذ صغره على يد جده وخاله وغيرهما من العلماء وبرع في دراسته حتى بلغ درجة الاجتهاد في حوالي سن العشرين من عمره، ثم قادته دراساته القرآنية في الثلاثينيات من عمره إلى الخروج من المذهبية الاثني عشرية الإمامية التي نشأ عليها إلى آفاق الإسلام القرآني الرحبة إذْ رأى أن أكثر العقائد و الممارسات الخاصة لدى الشيعة الإمامية لاسيما اعتقادهم بالنص على الأئمة الاثني عشر وأن الله فرض طاعتهم على العالمين، والقول بعصمتهم وعلمهم بالغيب، والاعتقاد بغيبة الثاني عشر منهم، والاعتقاد بالرجعة والاهتمام بتشييد الأضرحة وتعظيم القبور وإقامة مجالس النياحة ولطم الصدور، عقائد وطقوس دخيلة ابتُدِعَت بعد صدر الإسلام ولا أساس قرآني لها، بل لا تتفق مع تعاليمه. ويُعدُّ السيد مصطفى الطباطبائي اليوم من أبرز الداعين إلى العودة إلى القرآن الكريم وتحكيمه في حياة المسلمين وعقائدهم وأفكارهم بعد أن ابتعدوا عنه -في نظره- وانشغلوا بالأحاديث والروايات والفلسفة والتصوف. ألف مصطفى الطباطبائي عدداً كبيراً من الكتب المفيدة والممتازة (بالفارسية) في موضوعات مختلفة، ولا زال يفيد المسلمين بمؤلفاته القيمة حتى اليوم. وهو يقيم صلاة الجمعة في أصحابه بدارته في طهران، ولا يزال يتعرض للتضييق من مسؤولي الحكم بسبب أفكاره الإصلاحية. من أشهر مؤلفاته: 1. خیانت در گزارش تاریخ نقد كتاب بيست و سه سال علي دشتي (در 3 جلد). (الخيانة في رواية التاريخ، نقد كتاب «ثلاثة وعشرين عاماً» لعلي الدشتي) في 3 أجزاء. 2. شيخ محمد عبده مصلح بزرگ مصر. (الشيخ محمد عبده مصلح مصر الكبير). 3. راهي به سوي وحدت اسلامي. (الطريق نحو الوحدة الإسلامية) ترجمه الدكتور سعد رستم إلى العربية وطبعته ونشرته دار الأوائل في سوريا. 4. نقد آراء ابن سینا در الهیات. (نقد آراء ابن سينا في الإلـهيات). 5. آئین زرتشت از دیدگاه ما. (الديانة الزردشية في نظرنا) 6. بردگی از دیدگاه اسلام. (الرق في نظر الإسلام) 7. دعوت مسیحیان به توحید در پرتو تعالیم قرآن و انجیل. (دعوة المسيحيين إلى التوحيد في ظل تعاليم القرآن والإنجيل) 8. پرتوي از دولت فرخندة علوي. (قبسٌ من الحكومة العلوية المباركة) 9. حقارت سلمان رشدی. (حقارة سلمان رشدي) 10. نقد آثار خاورشناسان. (نقد مؤلفات المستشرقين) 11. نقد كتب حديث يا بررسی روایات ساختگی در کتب حدیث. (نقد كتب الحديث أو دراسة الأحاديث الموضوعة في كتب الحديث) 12. دين ستيزي نافرجام (نقد كتاب: تولدي ديگر). (محاربة فاشلة للدين. نقد كتاب ولادة جديدة) 13. فتح البیان آثاری از علی علیه السلام در تفسیر قرآن. (فتح البيان فيما روي عن علي بن أبي طالب في تفسير القرآن). ترجمه الدكتور سعد رستم إلى العربية وطبع ونشر في سوريا. 14. ماجرای باب و بهاء - پژوهشی نو و مستند درباره بهایی‌گری. (قصة الباب والبهاء - بحث جديد و موثَّق حول نحلة البهائية). 15. بررسی آراء اخباری و اصولی. (دراسة آراء الأخباريين والأصوليين) 16. نقد نظریه پلورالیسم دینی. (نقد نظرية التعددية الدينية). وغيرها من الكتاب الكثيرة الأخرى. (المنقِّح)