أبو القاسم الكاشاني

كان رأي آية الله الكاشاني أن يدخل في انتخابات مجلس الشورى، وأن يبدأ بالإصلاحات عن طريق مجلس الشورى، وهو أمر كانت الدولة تخاف منه وتسعى لإحباطه.

وفي عام 1328هـ ش الموافق 1950م أصبح رئيس الوزراء أحمد قوام، فأراد آية الله الكاشاني الدخول في تعديل نظام الانتخابات حتى يقلّ عدد الوكلاء المُعَيَّنين في المجلس مِن قِبَل الملك، وكنت من المقرَّبين من آية الله الكاشاني، وكنتُ إذا جئت في الشتاء إلى طهران أنزل عنده في المنزل، وقد قال لي في تلك السنة: اذهب واستأجر سيارةً لنا لكي نسافر إلى خراسان، فتأهبتُ لذلك وحضر معنا الشيخ السيد محمد باقر كمره‌اي وشخصان آخران، فصرنا مع أحد أبنائه ستة أشخاص، فتحركنا إلى مشهد، وقتها كانت الدولة خائفة من سفرنا خشية أن نُشَجِّع الناس على انتخاب أناس صالحين في مجالس الانتخابات، ولهذا لما تحرَّكنا كان الناس في القرى والمدن يستقبلوننا في الطريق، وفي مقابل ذلك أوعزت الدولة إلى المسؤولين بأن يُعَطِّلونا ويسعوا في أي ذريعة لإعادة آية الله الكاشاني إلى طهران.

فلما وصلنا مدينة سمنان[44] خرج لنا أهلها مرحبين وفي مقدمتهم العلامة السمناني الشيخ محمد صالح مازندراني [المتوفى سنة 1392هـ] وكان أعلم أهل تلك النواحي، فدعا الكاشاني إلى مسجد سمنان، فذهبنا إلى المسجد، فصلى الشيخ الكاشاني بالناس ثم كلفني أنا وزملائي بأن نلقي محاضرة نحث الناس فيها على انتخاب وكيل مؤمن صالح فَطِن ليكون والياً على سمنان، وأن نرشِّح لهم دكتوراً فاضلاً اسمه سيد رضي خان، وقد ألقى المحاضرة السيد كمره اي.

وبعد خروجنا من سمنان ارتفعت أصوات طلقات النار، فعلمنا أن رئيس بلدة سمنان خطَّط لإظهار وجود مخرِّبين حتى يقبض علينا، لتكون ذريعة لإعادتنا إلى طهران، ولكنه تأخَّر فقد خرجنا من سمنان، ونحن الآن في طريقنا إلى (دامغان)[45].

وصلنا مدينة دامغان عند الظهيرة، فأمضينا النهار في منزل أحد أهل العلم هناك، ثم خرجنا إلى (شاهرود)[46] وعندما وصلنا مكاناً قريباً منها وبالتحديد عند منطقة يقال لها: (ده مُلا)[47] وجدنا الناس قد خرجوا لاستقبالنا، وقد أعدوا لنا منزلاً جلسنا فيه، وقدموا لنا ما نشربه، وبعد ساعة أردنا الخروج ولكن أخَّرنا عن ذلك قدوم أفواج من مدينة شاهرود لتحيتنا واستقبالنا، وكان يهتفون ويقولون:

مرحباً بك يا سيدنا وقائدنا مرحباً بك يا حامل رسالة نبيّنا

وفجأة جاءت سيارة قادمة من طهران -وفيها ضابط برتبة عقيد وبعض الجنود- ووقفوا أمام سيارة السيد الكاشاني وتكلَّموا معه بشكل منفرد، كان من الواضح أن لديهم أمراً بإعادتنا إلى طهران إلا أنهم تردَّدوا لما رأوا جموع الناس من حولنا.

لما انتهت محادثتهم مع السيد الكاشاني أخبرنا أنه قال لهم: اتركونا نذهب إلى شاهرود وهناك سنتكلم مع الحكومة بالهاتف، فإن كان رجوعنا ضرورياً رجعنا، فسمحوا لنا بأن نذهب إلى شاهرود.

يجب أن أذكر هنا أن شخصين من علماء شاهرود كانا يتنافسان على الصدارة بين الناس، ومن ذلك أنهما أخذا يتنافسان على الفوز بضيافة السيد آية الله الكاشاني في منزله. والرجلان هما: الحاج ميرزا عبد الله الشاهرودي، والحاج أشرفي الشاهرودي، وقد أتى هذان الرجلان في الوقت الذي كان السيد الكاشاني يتكلم فيه مع الضابط العقيد، وعندما انتهى الكاشاني من الشرطة أخذ كل واحد منهما يجرّ الكاشاني إلى سيارته، وهنا غضب الكاشاني وقال: إنا لله.. نحن بين شرّين: خيانة الدولة، وجهل الرعية، ثم توجه إليّ وقال: ماذا نفعل بهؤلاء الرعية وهذه حالهم؟! ثم أخبرني بموضوع الضابط وموضوع تنافس هذين الشيخين.

فقلتُ للسيد الكاشاني: أقترح أن نَدَع هذين الشيخين يسبقانا إلى المدينة، وأن آتيهم قبلكم وأُصلح بينهم، ثم تذهب بنفس السيارة التي أقَّلَتْنا فتزور كل واحد منهما في بيته وتشرب عنده شيئاً، فاستحسن الكاشاني ذلك وفعله وأصلحنا بين الرجلين.

وفي شاهرود انتشرت إشاعة بأن الدولة تُريد أن تُرجع الكاشاني إلى طهران؛ فغضب الناس.. وتأهب الشباب لمنع جنود الدولة من ذلك، فأخذوا يحرسون المنزل الذي يُقيم فيه الكاشاني ليل نهار.. فاضطرت الدولة للتراجع عن ذلك، حتى خرج السيد إلى مشهد، ثم بعدها بأيام توجهنا إلى سبزوار، وأما الضابط والجنود المأمورون بإعادتنا فلم يأتوا إلینا وكأنهم تغافلوا عنا.

وفي سبزوار كانت الدولة قد اتخذت بعض الإجراءات لتسهيل إرجاع السيد الكاشاني، فتم قطع الهواتف عن سبزوار حتى لا نتصل قبل وصولنا فيخرج الناس لاستقبالنا، كما أعدت الدولة فرقة من الضباط والشرطة ليُعيدوا الكاشاني ومن معه، ومع ذلك كان نبأ قدوم السيد قد وصل للناس، ولذا خرج الناس لاستقباله، فدخلناها دون أن يعترضنا أحد من جنود الدولة.

[44] سمنان: مدينة في شمال إيران، بينها وبين طهران نحو 160 ميلاً. [45] دامغان: مدينة إيرانية تقع في محافظة سمنان (شمالاً)، وتقع إلى شرق طهران على نحو 160 ميلاً. [46] شاهرود: مدينة تقع إلى شمال شرق سمنان (شمال إيران) على نحو 60 ميلاً. [47] ده مُلاّ: قرية تقع في شمال إيران، بينها وبين شاهرود 14 ميلاً تقريباً.