بروز مرجعية البروجردي

كان آية الله البروجردي من العلماء المجتهدين، وأصله من (بروجرد)[36] وقد مرض فقدم إلى طهران للعلاج، وقَبْل أن يُفَكِّر الشاه محمد رضا بهلوي بنقل جنازة والده إلى طهران، كان البروجري يُفَضِّل الإقامة في قم لاسيما بعد أن دعاه بعض علمائها إلى ذلك، ولذلك قرَّر البروجردي أن يُقيم في قم بعد خروجه من مستشفى فيروز آبادي الواقع في مدينة «ريّ» وقد أعدّوا له حفل استقبال، ودُعيتُ لذلك، فحرصت على الحضور لِمَا كنت أسمعه عن علم البروجردي ومكانته.

وبعد أيام من قدوم البروجردي إلى قم قرَّر أن يزور العلماء ويتفقَّد المُدّرِّسين في الحوزة، وقد أعلمني خادمه (الحاج أحمد) أن البروجردي سيزورني في المنزل قبل المغرب بساعة، فأعددت لضيافته ما استطعت من الشاي والحلوى.. فقد كنت طالباً ولا يتوقع مني أكثر من ذلك، وقبل المغرب بساعة طُرِق باب المنزل، فذهبت لاستقبال السيد، وعندما فتحت الباب تفاجأت بأن المرافقين للسيد البروجردي يربو عددهم على الثلاثين شخصاً!! وقد كنت أتوقع أن يحضر السيد ومعه خادمه فقط، فسألت خادمه: لِمَ لَمْ تخبرني بقدوم هذا العدد الكبير؟ فأخبرني بأن السيد دعاهم بنفسه، وقال لي: إن السيد البروجردي يُحِبُّ أن يصطحب معه رفقاء كُثر في زياراته، فعلمت أن السیّد البروجردي یُحِبُّ اجتماع الحواشي حوله.

على كل حال: جاء السيد البروجردي وقدمنا له الشاي، ثم دار في المجلس بعض الأحاديث، ومنها أن السيد البروجردي سأل الحاضرين عن أعلم الفقهاء في رأيهم- مع العلم بأن أبرز فقهاء ذلك الوقت كانوا: آية الله حُجَّتْ كوه كمري[37]، وآية الله السيد محمد تقي الخوانساري[38]، وآية الله الصدر[39]، وآية الله الشيرازي، وآية الله الأصطهباناتي[40] وآخرون، فلم يردّ الحاضرون على سؤال السيد؛ لأن البعض كانوا يرون أعلمية السيد حُجَّتْ كوه كمري أو غيره، فلم يُحَبِّذوا ذكر ذلك عند السيد احتراماً له. فسأل السيد البروجردي مرة أو مرتين السؤال نفسه، فقال أحد طلاب العلم الحاضرين واسمه (الحاج آغا مرتضى) مازحاً: يا سيد الذي يُعطينا أكثر فهو الأعلم! فضحك الحاضرون وقالوا: كلامه صحيح.

وقتها كان الإنجليز قد بسطوا سلطتهم على آسيا الوسطى، فلم يكن يجري أي أمر في إيران إلا تحت نظرهم وبأمرهم، وبعد مرور عام تقريباً على مجيء السيد البروجردي سمعت في إذاعة إنجلترا نبأ وفاة آية الله السيد أبي الحسن الأصفهاني، وكان هو المرجع العام للتقليد، ويُقيم في النجف، وذَكَرَتْ الإذاعة أنه تم تعيين السيد البروجردي خليفة له!! حينها تعجبت كثيراً، كيف تم تعيين المرجع دون أن يعلم علماء قم التي يتفق أكثر علمائها على وجود من هو أعلم من البروجردي، علماً بأن أكثر علماء قم يرون وجوب تعيين الأعلم من العلماء، والأعلم یُحَدِّده أهل الخبرة؛ أي علماء قم والنجف، لا إذاعة لندن.

وعلى كل حال: أغلَقَتْ الأسواق بعد انتشار الخبر، وخرج الطلاب لإقامة العزاء الجماعي وقراءة المراثي في منازل العلماء الذین کانوا في مظان المرجعیة.

وفي تلك الأيام ظهر اختلاف أهل العلم في تحديد الأعلم من المجتهدين ومن هو الأحق بالتقليد، فاختار بعضهم السيد حسين الطباطبائي القمّي[41] واعتبروه الأعلم وأخذوا يُعَرِّفون الناس به على منابرهم، في حين اختار البعض حُجَّتْ كوه كمري، وبعضهم ذهب إلى البروجردي، واختار آخرون غير من ذُكِر، وكان الطلاب يسألون مدرِّسيهم عن الأعلم في رأيهم، وكنت أُدرِّس الفقه والأصول في مرحلة الخارج، وكان الأعلم من وجهة نظري هو حُجَّتْ كوه كمري، وكنت أصرِّح لطلابي أن السید حُجَّتْ هو الأعلم.

وبعد أيام وجدتُ في منزلي ورقةً -أُلقيت ليلاً- وفيها تهديد لي ووعيد إن ذكرتُ لأحد بأن الأعلم غير السيد البروجردي، وأن ذلك سيُعَرِّضني إلى هتك حرمتي وإراقة ماء وجهي بين الناس! في الحقيقة لم أُلْقِ بالاً لهذا التهديد، وکنت أقول رأیي بكل صراحة، ومن لطف تقدير الله أني ذهبت يوم الجمعة لزيارة أحد أقاربي وتعزيته واسمه: آية الله فيض، وكان من أهل قم ويدَّعي المرجعية أيضاً، وكان عنده مجلس عزاء، ولما وصلت إليه عزَّيته وسلَّيته، والغريب أنه كان قبل ذلك يُظهر الودّ لي، إلا أنه قابلني في هذه المرَّة بوجه مختلف، إذْ كان وجهه عبوساً بشكل واضح، وملامحه تدل على أنه غير راض عني، فقلت: هل بدا لك شيء مني حتى تقابلني بوجهك العبوس؟!

فقال: في الحقيقة لم أكن أتوقع منك ما حدث.

قلت: وماذا حدث؟

فقال: لقد أزْعَجَتْني رسالتُكم التي هدَّدْتَني فيها بتشويه سمعتي في أسواق قم إذا أخبرتُ أحداً برأيي في أعلمية غير البروجردي! فقلت له: لا علم لي بهذه الرسالة، وهي مُزوَّرة، وحتى لو كان عليها توقيعي فهي مُزوَّرة، وحلفت له على ذلك.

الحقيقة أنني خرجت من عنده وأنا مصاب بالذهول من الطريقة والأسلوب الجديد في تعيين مرجع التقليد بالقوة والتهديد، وقد تأكدتُ أن أيادي عميلة للغرب بدأت تلعب حتى بالمرجعية، وأنها هي التي تُريد فرض السيد البروجردي مرجعاً للتقليد، وقد تأكدتُ أكثر من خلال بعض القضايا التي حدثت بعد ذلك وکیف استفادوا منه. فواأسافاه على المقلّدين الذين تتلاعب بمرجعيتهم تلك الأيادي الخفیة! ولقد رأيت بنفسي كيف أحاطوا المرجع ببعض الشيوخ -من طلاب الدنيا- الذين يُبالغون في مدح من يُريدون، ويسعون في إسقاط من لا يُريدون.

وعلى كل حال فقد ترتب على تعيين البروجردي أمور مؤسفة، منها: استقواء رجال الدولة على الرعية، وتسلُّط الأقوياء على الضعفاء، وشيوع كثير من الأمور المخالفة للشرع، ونشأة مجلس نيابي انتصابي لا انتخابي، حتى أن ممثل مدينة قم السيد «سادن الضريح والقيِّم عليه» كان رجلاً أمياً جمع حوله عدداً من مُثيري الضوضاء وكان يُنفق جميع الأموال الموقوفة على ضريح حضرة المعصومة[42] على ملذاته بدلاً من صرفها على الضعفاء والمحتاجين، وكان يُصبح ممثلاً لقم في كل دورة من دورات المجلس النيابي من خلال إرساله عدة أحمال من الرمان الممتاز إلى منزل السيد البروجردي! وخلاصة الأمر أنه بعد رحيل رضا خان وُجد شيء من الحرية، وأُعطي الناسُ حقَّ انتخاب والٍ لقمّ، ولكن لم يسمح الملتفون حول البروجردي وبعض أفراد الناس بتغيير السيد «متولي الضريح»، وقد نشرت إعلاناً ذكرت فيه مثالب ذلك الرجل، وشجَّعت الناس على انتخاب مُمَثِّل صالح عالم، وكان هذا أحد أسباب نفرة البروجردي ومن حوله مني.

[36] بروجرد: مدينة إيرانية في محافظة لرستان (غرب إيران)، وتقع على بعد 200 ميل تقريباً جنوب غرب طهران. [37] حجت كوه كمري: محمد حجت كوه‌كمري التبريزي، مرجع شيعي سابق، ولد سنة 1310هـ، وتوفي عام 1372هـ. [38] الخوانساري: محمد تقي الخوانساري، مرجع شيعي سابق، ولد سنة 1305هـ، توفي سنة 1371هـ. [39] الصدر: السيد صدر الدين الصدر، مرجع شيعي سابق، ولد في الكاظمية سنة 1299هـ، اشتهر بالتأليف والتدريس، توفي في قم سنة 1373هـ الموافق 1953م. [40] الأصفهاني: هو أبو الحسن محمَّد بن عبد الحميد بن محمَّد الموسوي الأصفهاني، أحد علماء الإمامية، ولد في قرية «مديس» في أصفهان سنة 1284هـ، آلت إليه المرجعية في النجف مع النائيني، وتوفي في الكاظمية عام 1365هـ. انظر: أعيان الشيعة (2/ 332)، معجم رجال الفكر والأدب في النجف (1/129). [41] الطباطبائي: حسين الطباطبائي القمي، مرجع شيعي سابق، ولد سنة 1282هـ، وتوفي عام 1366هـ. [42] المعصومة: هي فاطمة بنت الكاظم، قدمت لزيارة أخيها الرضا فماتت في الطريق عام 201هـ ، ودفنت هناك، لقبرها ضريح ومسجد وأوقاف.