جهود البرقعي أمام تسلط البهلوي

في هذه السنوات بدأ البهلوي الأول بالضغط على الناس لإجبار الرجال على لبس اللباس المُوَحَّد وإجبار النساء على خلع الحجاب، وقد كانت عادة الناس قبل ذلك أن لا يظهر من المرأة شيء من رأسها إلى رجليها، وكان نزع حجاب النساء صعباً على الناس في إيران إلا أن الناس قد اضطروا إلى ذلك بعد قرار البهلوي.

وكان البهلوي يأمر أعيان كل بلد أن يُحضروا زوجاتهم بلا حجاب (حاسرات الرأس) في المناسبات، وكان رجال الشرطة ينزعون الملاحف (التشادور) من رؤوس النساء في الشوارع والأزقة ويُمَزِّقونه، وقد بلغ بکثیر من النساء العفیفات أن تملَّكهن الخوف الشديد من هؤلاء الشرطة حتى مرضن من ذلك وأدَّى بهنَّ إلى الوفاة.

في خراسان[28]: اجتمع الناس في مسجد كوهر شاد[29] فملؤوا ساحته وأروقته، وأرسلوا للدولة عبر التلغراف أنهم لن يخرجوا من المسجد حتى تسحب الدولة قرارها بإلزام النساء بخلع حجابهن، فكان رَدُّ الدولة هو تهديدهم ودعوتهم للخروج من المسجد وساحته، ولما لم يستجب الناس وبدؤوا بالاصطدام مع المأمورين أمر الملك الجيش بمحاصرة المسجد، ثم أمطروا المسجد بالقذائف والرصاص، فقُتِل وجُرِح في تلك الليلة ألف شخص تقريباً من الناس العُزَّل، ثم قام الجيش بحفر خنادق على بُعد ميلين خارج المدينة وحملوا أجساد الجرحى والقتلى على شاحنات، وألقوهم في تلك الخنادق التي أعدوها لدفنهم، وردموا عليهم التراب والجرحى يصرخون ويستغيثون: نحن أحياء.. نحن أحياء فدفنوهم وكأنهم لا يسمعون.

ثم قام الجيش بإلقاء القبض على كثير من كبار السن الذين كانوا خارج الحرم أو خارج فناء المسجد ممن لم يجتمعوا مع الناس، فسجنوا بعضهم ونفوا آخرين، وكان منهم الحاج آغا السيد حسين القمي، أحد مراجع التقليد الذي كان قد قدم إلى طهران وتوقف في ضريح حضرة عبد العظيم، ليُشارك في التفاوض مع الدولة بخصوص أمر الحجاب، فقاموا بمُحاصرة منزله.

مسجد كوهر شاد

لقد كان لهذه الأحداث أثر كبير في نشر الخوف بين الناس وسكوت الجميع، فلم يكن أحد يجرؤ على إظهار معارضة الدولة في هذا الأمر، وكنت آنذاك في مدينة قم، فكتبت منشوراً أدعو فيه الناس إلى معارضة ذلك والتحرُّك لرفض هذا القرار، ولم يكن أحد معي في هذه الخطوة، فاضطررت إلى الخروج ليلاً لألصق هذه المنشورات على أبواب المدينة وجدرانها ولكن دون جدوى، فلم يتحرَّك أحد.

وقد شَجَّع صمتُ الناس الدولةَ، فقامت بمنع الخطب الوعظية والمنابر، فكنَّا إذا أردنا أن نُحاضر أو ندعو قمنا بذلك سراً، ومضت سنتان أو ثلاث ونحن على هذه الحال حتى وقعت الحرب العالمية الثانية فبدأ العدوان على إيران، فهجم الحلفاء: أي الروس من الشمال والإنجليز من الجنوب، فانهزم جيش «بهلوي» بدون مقاومة واضطرَّ مُرغماً للاستسلام، ثم سلَّم مقاليد الحكم لولده -باتفاق مع الغزاة- فاستلم الحُكم (محمد رضا)[30] ونُفِي الأب المخلوع إلى جزيرة موریشيوس، ليبقى هناك تحت الإقامة الجبرية، ولما أراد الخروج جهَّز كثيراً من المجوهرات والأموال ليحملها معه، وعندما أراد ركوب السفينة نزعوا منه كل ما كان قد أخذه، ووضعوه في سفينة أخرى أرسلوها إلى ملکة بريطانيا.

في تلك الأيام وبسبب حرارة الجوّ في مدينة قم خرجتُ إلى منطقةٍ ذات جوّ لطيف تبعد عن قم قُرابة خمسة عشر فرسخاً، وفي مقهى قرية دليجان[31] كنت جالساً، وقد رأيت بعيني ضباطاً ومسؤولين في الدولة يهربون، وقد خلعوا لباسهم العسكري وبعضهم لبس ملابس النساء! فسألت: ما الذي حدث؟ فأجابوني بأن الروس تقدَّموا بمدفع واحد تجاهنا من جهة میناء أنزلي[32] وأمطرونا بقذائف المدفعية. فعلمت إذن أن ذلك المدفع قد أصبح خالياً من القذائف ورغم ذلك هرب أولئك الضباط وأخلوا مواقعهم ولجؤوا إلی الجبال! هنا تعجَّبت من هذا الجيش الذي تجبَّر وتكبَّر على الناس وعاملهم معاملةً تذَكِّرني بأسلوب فرعون مع أهل مصر. ومن الجهة الأخرى كان كل أهل إيران في قمة الفرح وهم يرون الجيوش الغازية تدخل بلادهم؛ لأنهم قد تخلَّصوا من شر البهلوي وتسلُّط مأموريه.

والعجيب أيضاً: أن الابن (محمد رضا بهلوي) رغم مشاهدته ما حلَّ بوالده في الدنيا، وكيف هلَّل الناس لخلعه، لم يتَّعظ بذلك، بل بدأ يُعيد نفس الممارسات الفرعونية التي مارسها والده، وبمُجَرَّد وصوله إلى السلطة تحوّل إلى عميل مخلص للغرب وعدوّ للشعب.

لم يلبث رضا بهلوي (الأب المخلوع) طويلاً أن مات في جزيرة موريشيوس... ویُقال إنه کان یمشي في تلك الجزیرة ویُرَدِّد الكلمات التي كان يسمعها ليل نهار: «صاحب الجلالة.. صاحب العظمة».. أيام وأي أيام! وقصده تلك الكلمات التي كان الحواشي والخدم والناس المُتَمَلِّقون الذين يسعون لرضاه يُرَدِّدونها أمامه.. ولما تُوُفِّي جاؤوا بجُثَّته، وأمر ابنُهُ بإقامة جنازة عظيمة له وبدفنه في مدینة قم، وطلبوا من كبار العلماء في قم الحضور ليُصلُّوا عليه، وعلى رأسهم آية الله العظمى البروجردي، وكان من المراجع ومن طُلَّاب الرئاسة والزعامة، وکان على صلة بالدولة وعلى علاقة جيدة بالملك وحاشيته وأعضاء المجلس النيابي، فأبدى استعداده للصلاة على جثمان الشاه.

وقد دار في خَلَدي أن إقامة هذه الجنازة وإجلال هذا الشاه سيكون بمثابة تأييد كل الأعمال الفاسدة التي قام بها، لذا أخذتُ أُفَكِّر في عمل يحول دون تعظيم تلك الجنازة، وكنت آنذاك قد بلغت الخامسة والثلاثين، وأُدَرِّس في حوزة قم، ولي بعض الأصدقاء والأصحاب الشباب، قد اجتمعتُ معهم ونظَّمت جماعة باسم: (فدائيي الإسلام)، وكانت أعمار عامة المنخرطين في هذه الجماعة ما بين خمس عشرة سنة وخمس وعشرين، وكنت أشبه بالقائد لهم، ومنزلي مقرّ تجمعهم، وكان بعضهم ممن يدرسون عندي في الحوزة، وقد طرحتُ عليهم فكرة وضع عوائق أمام نجاح تبجيل جنازة البهلوي (الأب)، فقالوا: أُکتب بیاناً ونحن نوزِّعه. فاتَّفقنا على أن نكتب منشورات نُذَكِّر بها كل من يخرج لتعظيم جنازة البهلوي بأنه مخالف للشريعة وأنه سيُعَرِّض نفسه للقتل.

وقد كان لتوزيع هذا المنشور أثر طيب في منع كثير من الناس من حضور التشييع، وحتى السيد البروجردي خاف من أن تلحقه بسبب خروجه أذية من أصحاب المنشور، فعزموا علی أن یعرفوا ناشري المنشور.

في الحقيقة لم يكن أحد يعلم مقرّ هذه الجماعة المسماة: «فدائيي الإسلام»؛ لأن معظمهم کانوا یسکنون في طهران ولا أحد يتوقع أن السيد أبا الفضل البرقعي القمي هو الذي أعدَّ ونشر هذا البيان الحاد.

وعندما اقترب موعد وصول الجنازة كان المسؤولون في غاية الارتباك، مما كان سبباً في عدم ظهور مراسيم الجنازة بالصورة التي كانوا يُريدون، وقد أقاموا مجلساً للعزاء في مسجد الإمام في قم. وأراد سيدٌ باسم «الموسوي الخوئي» أن يُشارك في ذلك المجلس فأخذه رفقاؤنا من جماعة «فدائيي الإسلام»[33] وأوسعوه ضرباً حتى سال الدم من رأسه، فلما رأى المسؤولون في الدولة هذا الأمر صرفوا النظر عن فكرة دفن البهلوي في مدينة قم وقرروا دفنه في طهران.. فماذا حدث في طهران؟

لم أكن في طهران يومها.. ولكن الذي علمته أن جنازة رضا خان بهلوي قد شُيِّعَتْ، ودُفِنَ في الريّ[34] بجوار القبر المشهور للسيد عبد العظيم[35] وبنوا على قبره بناءً كبيراً، وبمناسبة هذه الحادثة أكتب هاهنا أموراً عن السيد البروجردي ليسجلها التاريخ.

[28] خراسان: أكبر محافظة إيرانية تقع في الشمال الشرقي، وفيها مدينة مشهد. [29] مسجد كوهرشاد: جنوب الساحة المشرفة على ضريح الإمام الرضا في مشهد، أمرت ببنائه الأميرة كوهرشاد زوجة السلطان ميرزا شاه رخ الكوركاني. (انظر: جولة في الأماكن المقدسة، تأليف إبراهيم الموسوي الزنجاني (ص: 42). موسوعة العتبات المقدسة، تأليف جعفر الخليلي ج 11). [30] محمد رضا بهلوي: ولد سنة 1919م، وقد حكم إيران بعد نفي والده. قام بالتقرب من الولايات المتحدة في سياسته الخارجية ومن الغرب بشكل عام، حصل نزاع بينه وبين رئيس وزرائه مصدق، اتخذ إجراءات لعصرنة المجتمع والبلاد على الطريقة الغربية (منذ 1964م وسميت بالثورة البيضاء)، كما قام بإنجاز العديد من المشاريع الكبرى. تم اتخاذ أكثر هذه التدابير بشكل إجباري وتعسفي، أدى هذا إلى توحيد قوى المعارضة (الشيوعيين ورجال الدين الشيعة) في وجه نظام الشاه. وفي سنة 1979م أجبر الشاه على ترك البلاد بعد قيام ثورة شعبية في البلاد قادها الزعيم الشيعي آية الله الخميني. [31] قرية في الطريق بين أصفهان ومدينة قم. [32] میناء أنزلي: ميناء يقع في شمال إيران على بحر قزوين. (المُحَقِّق) [33] سيأتي التعريف بها عند حديث المؤلف عن جماعة فدائيو الاسلام. [34] الري: مدينة فارسية قديمة، وهي الآن جزء من جنوب شرقي طهران. [35] عبد العظيم: هو أبو القاسم عبد العظيم بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، يكنى (قافه)، قدم مدينة الري عام 200هـ، توفي 252هـ، وله ضريح مشهور في الري يقدسه الشيعة كثيراً ويروون أثراً عن الإمام الهادي بأن زيارة قبر عبد العظيم تعادل زيارة قبر الحسين. انظر: منتهى المقال للمازندراني (4/ 140)، ثواب الأعمال (1/ 124).