مثابرة ومصابرة في طريق العلم

كانت طريقة التعليم سابقاً تختلف عنها اليوم، إذْ لم يكن المعلم يُدَرِّس الطلاب جميعاً، بل كان لكل طالب درسٌ يخصُّه، وأنا لفقر أهلي لم يكن لدي ما أعطيه المعلم، لِذا لم يكن لي درسٌ يخُصّني مثل بقية الأطفال.. ومع ذلك تقدمت في التعلم بالجلوس قريباً منهم.. ومع أنه لم يكن لدي أوراق أكتب عليها، إلا أنني كنت أستفيد من الأوراق التي يرميها أصحاب الدكاكين والعطارين، فإذا وجدت أحد وجهيّ الورقة أبيضَ أخذته لأكتب عليه.

وأحمد الله تعالى أن تعلمت في فقري في تلك الفترة؛ لأن التعليم اليوم صار يتطلب مجموعةً من الكراريس وليس أوراقاً معدودة، فکیف كان سيفعل طالبٌ فقیرٌ مثلي لم يكن یستطیع أن یشتری قلماً أو كراسة واحدة؟

عندما أكملتُ تعلُّمَ الكتابة الفارسية وقراءة القرآن صغيراً، قَدِمَ إلى «قُم» عالِمُ دينٍ يُدعى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي[14] - وكان من كبار علماء الشيعة آنذاك، وجاء إلى قم بدعوة من أهلها بعد أن كان مقيماً في مدينة أراك، وقام بفتح حوزة لطلاب العلم، وکنت وقت مجيئه ابن عشـر أو اثنتي عشـرة سنة، فقرَّرْتُ الالتحاق بدروس هذه الحوزة، وبالفعل توجهت إلى المدرسة الرضوية الواقعة في سوق مدينة قمّ القديم حتى أتهيَّأ للدراسة.

كان المسؤول عن المدرسة سيداً يُدعى "سيد محمد الصحَّاف" وكان ابن خالة والدتي، فتقدمت لأحصل علی حجرة خاصة مثل بقية الطلاب، لكنني لم أحظ بذلك نظراً لصغر سنّي، بل أعطوني إيواناً صغيراً جداً في أحد زوايا المدرسة يُشبه ممراً أو ردهةً طولها متر وعرضها متر، كان خادم المدرسة يضع فيها مكنسته ودَلْوَه، وأكرمني خادم المدرسة بأن وضع لهذه الردهة الصغيرة باباً مكسوراً، وأحضرْتُ من منزل والدتي بساطاً صغيراً فرشته في أرض الردهة، وانصرفتُ إلى تحصيل العلوم ليلاً ونهاراً في هذه الحجرة المُحقَّرة التي لم تكن تقيني حرَّ الصيف ولا بردَ الشتاء بسبب بابها المتهالك والفُرَج العديدة التي في جنباتها.

وبقيتُ في تلك الغرفة المتواضعة ما يقرب من سنتين، وفي طول هذه المدة لم يتهيأ لي مَنْ يساعدني في تأمين نفقتي، لا من أقاربي ولا من غيرهم، فكنت أعمل أحياناً لدى بعض التجار أو العلافين كي أوفِّر الضـروريات لأواصل التحصيل، إلى أن يسـَّر الله لي تعلُّم النحو والصرف، فقرأت كتاب المغني وكتاب الجامي، وتقدمت للاختبار لدى الحاج عبد الكريم الحائري وآخرين، فنجحت بتفوق، فكافأني الشيخ بتخصيص راتب شهري لي قدره خمسة ريالات ولکنها لم تکن کافیة لحوائجي الضـروریة، فطلبت من بعضهم أن يشفعوا لي عند الشيخ الحائري حتى يزيد راتبي بما يكفيني، فقبل ذلك ورفع راتبي إلى ثمانية ريالات.

وقد اجتهدت في تدبير مصروفي بطريقة مُحكمة حتى لا أحتاج إلى أكثر من تلك الريالات الثمان، فكنت أعطي الخباز أربعة ريالات ونصف لآخذ منه يومياً رغيفاً ونصفاً من خبز الشعير -إذْ كان ثمن عشرة أرغفة من الخبز ريالاً- فقرَّرت أن أصرف أربعة ریالات في الشهر لشراء الخبز وكنت أشتري كمية من الخوخ المجفف بريالين، فإذا أردت أن آكل شيئاً منها أضعها في ماء ثم آكله وأشرب عصيره مع الخبز، فتكفيني هذه الكمية شهراً كاملاً. وكنت أدَّخر ما بقي - وهو ريال ونصف - لمصاريف الحمام، فتكفيني للاستحمام أربع مرات في كل شهر.

بهذه الطريقة دبَّرت أمري، وداومت على التحصيل مُدَّةً حتى وصلت إلى مرحلة الخارج[15] فتعلمت الفقه والأصول، كما أنني أثناء التحصيل كنت أُدَرّس بعض الطلاب المبتدئين مقررات مرحلة المقدمات (الفقه، الأصول، الصـرف، النحو والمنطق) من حفظي لقلة الكتب اللازمة، وبهذا صرت في مصافّ معلمي الحوزة.

وفي هذه الفترة بدأتُ أشارك طلاب الحوزة في الذهاب إلى بعض القرى والمدن في شهر رمضان ومُحَرَّم، حيث جرت العادة أن يذهبوا للحصول علی شيء من المال مقابل الوعظ، فكنت أذهب أحياناً وأبقى أحياناً لأنني لم أستطع أن أفعل مثل كثير منهم من أکل أموال الناس بالباطل، ولم أکن أعرف الناس في تلك النواحي کي أبیت عندهم، وکنت في بعض الأحيان إذا سافرت أضطر لتحمل البرد القارس.

[14] الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، مؤسس الحوزة العلمية في قم سنة 1340هـ، ولد في «مهرجرد يزد» عام 1276هـ ، لازم السيد محمد الفشاركي دروسه في سامراء، وهاجر معه إلى النجف حتى وفاته، ثم هاجر إلى كربلاء حوالي سنة 1325هـ، وفي سنة 1332هـ عاد من كربلاء إلى إيران، واستقر في أراك، ثم في عام 1340هـ استوطن قم لإحياء المذهب وأسس فيها الحوزةَ العلميةَ وبقي فيها حتى أدركته الوفاة عام 1355هـ. من آثاره: «حاشية العروة الوثقى»، و«درر الفوائد في الأصول»، و«رسالة في الاجتهاد والتقليد» وغيرها. (المُحَقِّق) [15] تنقسم دراسة الحوزة العلمية إلى ثلاث مراحل: المقدمات، ثم السطوح، ثم الخارج، وسميت المرحلة الثالثة بمرحلة البحث الخارج لأن الدراسة فيها تتم خارج نطاق الكتب التي يعتمدها الأستاذ في تحضير مادته في مرحلة البحث الخارج، فيقوم الطالب -بنفسه قبل أن يحضر المحاضرة- بإعداد مادة المحاضرة من فقه وأصول أو تفسير، ثم مراجعة أقوال العلماء، ويحاول الطالب أن يستخلص لنفسه رأياً خاصّاً في هذه المسألة، بعد ذلك يحضر الطالب لدى بعض العلماء ثم يجيزونه بالاجتهاد، ووفقاً للاصطلاح الشيعي المتأخر يسمى (آية الله) فقط. فإذا تصدى للمرجعية وصار له مقلدون لُقِّبَ بـ(آية الله العظمى).