السـيرة الذاتيـة

اعلم أن كاتب هذه السطور من أهل مدينة قُمّ[9]، وأن آبائي وأجدادي عاشوا في هذه المدينة منذ ثلاثين جيلاً، ابتداءً من الوافد الأول على هذه المدينة: موسى المبرقع[10] بن الإمام محمد تقي بن حضرة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) - وقبر المبرقع معروف إلى اليوم في قم- فأنا من نسل موسى المبرقع، ولهذا يُقال لي: البرقعي، كما أنني أُنسب إلى الإمام الرضا فيقال لي: الرضوي أو ابن الرضا، وفي وثيقة الهوية الرسمية أُلقَّب بـ«ابن الرضا».

أما سلسلة نسبي کما هي مذکورة في كتب الأنساب وكما دوَّنتُها في كتابي «تراجم الرجال»[11] في باب الألف فهي كالتالي: أبو الفضل بن حسن بن أحمد بن رضي الدين بن مير يحيى بن ميرميران بن أميران الأول بن مير صفي الدين بن مير أبي القاسم بن مير يحيى بن السيد محسن الرضوي - وكان كبير وجهاء أهل مشهد الرضا وأشهر أعلامها في وقته- ابن رضي الدين بن فخر الدين علي بن رضي الدين حسين بادشاه بن أبي القاسم بن ميره بن أبي الفضل بن بندار بن مير عيسى بن أبي جعفر محمد بن أبي القاسم علي بن أبي علي محمد بن أحمد بن محمد الأعرج بن أحمد بن موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد رضي الله عن آبائي وعنِّي وغفر اللهُ لي ولهم.

أما والدي السيد حسن فقد كان فقيراً مُعْرِضاً عن الدنيا وکان من أزهد الناس، مُعتمداً في قوته على عمل يده حتى آخر أيامه، فكان يعمل في فصل الشتاء البارد وفي جَوِّ الصقيع حتى وهو شيخ كبير.

وكان حسن الحال، دائم السرور، يُحبُّ السهر وكان من أهل العبادة، وكان مع قلَّة ذات يده جواداً مُتواضعاً.

وأمَّا جدِّي الأول، أي والدُ أبي، السيد أحمد، فقد كان عالماً بارزاً، ومجتهداً معروفاً، ولكنه لم يكن يُحِبُّ الظهور، وهو من أبرز التلاميذ الذين اعتنى بهم الميرزا الشيرازي صاحب فتوى تحريم التبغ[12]، كما بَيَّنْتُ ذلك في كتابي "تراجم الرجال".

وقد رُوِيَ أنه بعد بلوغه درجة الاجتهاد، عاد جدِّي من سامراء إلى قم وأصبح أحد أبرز مراجعها الزُّهَّاد، فكان أثاث منزله متواضعاً كحال سلمان، وكان بعيداً عن الثراء كحال أبي ذَرّ، لا ينتظر من أحد درهماً ولا ديناراً، وقد حُكي عن الحاج مُلَّا محمود -وهو أحد المزارعين المشهورين في قم- أنه قال: زَرَعتُ القمح ذاتَ مَرَّةٍ، فابتُليتُ بحشـرة أفسدت عليَّ الزرع، فنذرتُ لِـلَّهِ إنْ رفع عنّي هذا البلاء أن آخذ قدراً كبيراً من القمح إلى منزل السيد أحمد - أي: جدي- قال: فذهبت إلى شجرة ونمت في ظلها، فلما قمتُ لَمْ أَرَ شيئاً من الحشـرات المُفسدة فعلمت أن السيد أحمد له منزلة عند الله.

وحینما قیل لجدِّي أیام الثورة الدستورية[13] إن مُعظم العلماء أفتوا في هذا الأمر فلماذا لم تُشارك معهم؟ أجاب قائلاً: علمتُ من إقبال أکثر الناس علیها أنها أمر باطل؛ لأن الأکثریة في أغلب الأحيان ليسوا طُلاَّباً للحقّ.

وبسبب فقر والدي تعذَّر عليه الإنفاق على تعليمنا.. لكن الله أكرمني بِأُمٍّ حريصة على التعلُّم فدرستُ ببركة جهدها، حيث كانت تسعى لتحصيل المال القليل لترسله إلى المعلم شهرياً.

وكانت أمي: سكينة سلطان- رحمها الله- ... عابدةً زاهدةً قنوعةً. وكان والدها الحاج الشيخ: غلام رضا القمي - صاحب كتاب: رياض الحسيني - واعظاً معروفاً. وكان المرحوم الشیخ غلام حسین الواعظ والشیخ علي المحرر أخوالي. وکتاب «فائدة الحیاة وفائدة الممات» من تأليفات الشیخ غلام حسین.

كانت أمي - كما ذكرت آنفاً- امرأةً مُدَبِّرةً أنقذت أبناءها بتوفيق الله من المجاعة، ففي عام المجاعة- أيام الحرب العالمية الأولى- حينما دخلت القوات الروسية إلى إيران، كنتُ في السنة الخامسة من عمري واستطعنا بفضل الله ثم بتدبير أمي أن نتجاوز المحنة.

ولقد منَّ اللهُ تعالى عليَّ وعلَّمني بفضله.. ففي صغري تعلَّمت القراءة والكتابة بأسلوب غير معتاد.. وكنت أذهب إلى المدرسة ولكن نظراً لقلة ذات اليد لم يكن المعلم يهتم لشأني، فكنت أجلس بالقرب من الطلاب الذين يعلمهم المعلم، وأستمع إليه، فتعلمت القراءة والكتابة شيئاً فشيئاً.

[9] قم: إحدى مدن إيران، تقع إلى جنوب طهران على بعد 147 كيلومتر، أسسها قدماء ملوك الفرس، وفتحت في عهد عمر بن الخطاب (عام 21هـ)، وتعد المدينة ثاني أكبر مركز علمي للشيعة في العالم. [10] المبرقع: موسى بن محمد بن موسى بن جعفر الصادق رحمه الله، ولد في المدينة في القرن الثالث، وهو شقيق الإمام الهادي رحمه الله، انتقل بعد وفاة والده إلى الكوفة ثم إلى قم سنة 256هـ، تُسَمَّى ذريتُه بـ(الرضويين)، توفي في قم سنة 296هـ. انظر: الأعلام للزركلي (7/327)، أعيان الشيعة (10/194). [11] لم يَطبَع المؤلف من هذا الكتاب إلا المجلد الأول. [12] هو السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي، مرجع الشيعة الإمامية ورئيس الطائفة الأبرز في عصـره، واعتُبر لديهم مجدد المذهب فى القرن الرابع عشر، واشتُهر بإصداره فتوى تحريم التنباك (التبغ) لإحباط اتفاقية (التنباك) بين حكومة ملك إيران ناصر الدين شاه وشركة ريجي البريطانية التي كانت ستؤدي إلى بسط نفوذ بريطانيا التجاري والسياسي في إيران والإضرار بالشعب الإيراني. وقد أدى انصياع الناس الكامل لفتوى الميرزا في تحريم تدخين التنباك إلى تراجع الملك ناصر الدين شاه قاجار عن موقفه وإلغاء الاتفاقية. توفي الميزرا حسن الشيرازي في شعبان 1312هـ في سامراء وحُمل إلى النجف ودُفن فيها. [13] المشـروطة أو الثورة الدستورية: حركة وطنية في إيران دعت إلى تقييد سلطة الملك ووضع دستور ومؤسسات دستورية، بدأت الدعوة إلى ذلك في نهاية القرن التاسع عشـر إبان عهد الملك ناصر الدين شاه القاجاري، ولكنه قتل قبل أن يصدر موافقته، ولتزايد المطالبة وضغوط الشعب أصدر الحاكم من بعده مظفر الدين شاه القاجاري أمراً بتدوين أول دستور وتأسيس مجلس شورى سنة 1906م. للمزيد راجع كتاب: المشروطة والمستبدة. تأليف رشيد الخيون.