صفحه نخست التاريخ الإسلامي سوانح الأيام - ايام من حياتي بعض الصفات الشخصية التي تميَّز بها المرحوم البرقع...

بعض الصفات الشخصية التي تميَّز بها المرحوم البرقعي

أود في ختام هذه المقدمة أن أذكر بعض الصفات الشخصية للمرحوم البرقعي التي عرفتها فيه من خلال لقائي به أو زيارتي له أكثر من مرة، والتي يمكن ملاحظتها أيضاً بين ثنايا سطور كتابه الحاضر «سوانح ايام».

تميز المرحوم البرقعي ببعض الصفات النادرة، ومن أهمها صراحته وصدق لهجته وموافقة ظاهره لباطنه، فكان الذي في قلبه يظهر على لسانه، لا يعرف التصنُّع ويكره الرياء، ويبغض التملُّق، وكان أكره شيء عليه المداهنة في الحق والمساومة على المبادئ تحت أي ذريعة كانت ولو بحجَّة لزوم اللين والمداراة، وربما أفرط في ذلك أحياناً إلى درجة تجعله في بعض الساعات فظَّاً لا يتقن المداراة ولا يسعى إلى جذب الآخرين إلى أقواله وأفكاره بالحكمة والموعظة الحسنة والتدرُّج. ولعل قسوة حياته منذ طفولته، والجفاء والأذى الشديدين اللذين عانى منهما على يد مخالفيه من الشيوخ وغيرهم، أثرت في طبيعته ومزاجه في هذا المجال. وكانت هذه الصراحة الزائدة -التي تصل أحياناً إلى حد الفظاظة- سبباً في قلة مريديه وتلامذته فلم يستطع أن يربي حوله أعداداً كبيرة من الأتباع، لكن من تحمَّل من أصحابه شيئاً من شدة لحنه في البداية وتعمَّقَتْ معرفته به وقف على بحر لا ينضب من الطيبة والمحبة والحنان والشفقة ونقاء السريرة.

ومن صفاته الأخرى النزاهة العجيبة وعدم الطمع في مال الدنيا والقناعة منها بالقليل، فمات ولم يجمع من حطامها شيئاً رغم أنه ألف عشرات الكتب التي كان يمكن أن تجعله من أثرى الأغنياء.

وكان من صفاته الكرم البالغ، سواء ببذل المال وإكرام الضيف، أم بذل الجاه لمساعدة الآخرين. فما أن يدخل عليه الزائر إلا ويسأله بعد الترحاب والسلام: هل تناولت طعام العشاء (إذا كانت الزيارة مسائية) أو طعام الغداء (إن كان الزيارة بعد الظهر أو في وقت العصر) أم ليس بعد؟ فإن قال زائره: ليس بعد، سارع الشيخ البرقعي بنفسه، رغم سنه الكبير، إلى المطبخ وبدأ بتسخين ما لديه من طعام ليضعه بين يدي ضيفه مع الفاكهة قبل البدء بأي كلام. ودعا ضيفه إلى المبيت لديه إن كان قد قدم من مدينة أخرى. وهيأ له بنفسه الفراش الخاص بذلك. وهذا أيضاً يدل على صفه أخرى تميز بها ألا وهي التواضع والبُعد عن كل تعالٍ وأنانية وعُجب بالنفس.

ومن أبرز الدلالات على مدى تواضعه وبعده عن العُجب، وصدقه، أنه رغم كل إجازات الاجتهاد التي نالها ومرتبته العلمية الرفيعة التي وصل إليها بعد مسيرة عشرات السنين من الدرس والقراءة والتحصيل، لم يكن يغتر بما لديه من علم، ولا يأنف أن يستمع إلى من هم أقل منه علماً وأقل سناً بكثير ويتعلَّم منهم، فإن وجد لديهم حقاً لم يتوانَ لحظة عن ترك عقائده السابقة واتباع ما أدركه من حق، دون أي تعصُّب إلى ما أمضى شطر عمره عليه طالما وجد أن الحق خلافه، وهذه فعلاً من نوادر الصفات وتدلُّ على إخلاصه في طلب الحق والإذعان له وعبوديته المحضة لله تعالى. ولذلك نجده في كتبه يكثر الثناء والتقدير على المرحوم حيدر علي قلمداران والأستاذ مصطفى الحسيني الطباطبائي والأستاذ يوسف شعار وغيرهم، ويعترف لهم بالفضل عليه، وبأنه تأثر بهم، ويشير في حاشية كتبه في كل موضع نقل فيه عنهم أو عن غيرهم أو يحيل القارئ في حواشي كتبه إلى كتبهم فيقول راجعوا الكتاب الفلاني للسيد مصطفى الطباطبائي مثلاً أو راجعوا كتاب «زيارت و زيارتنامه» أو «خمس در كتاب وسنت» أو «الزكاة» و... وغيرها للمرحوم قلمداران، ويثني على كتب الأخير (مع أن المرحوم قلمداران لم يكن يحمل أي شهادة اجتهاد، ولا حتى شهادة جامعية بل كان أستاذاً ومديرَ مدرسة ومحققاً فاضلاً أمضى عمره في البحث والقراءة أيضاً). وهذا خُلُق يندر أن نجده لدى العلماء الكبار والمراجع الذين يأنفون أن يذكروا نقلهم عن الآخرين ممن هم أدنى منهم في المرتبة العلمية أو أن يصرحوا باستفادتهم من كتبهم أو يحيلوا القراء في حواشي كتبهم إلى مطالعة كتب من هم أدنى منهم علماً وسِنَّاً.

ومن صفات المرحوم البرقعي الواضحة جَلَده على المطالعة والتحصيل والكتابة والتأليف فلم يكن يحب إضاعة الوقت في سفاسف الأمور على الإطلاق، بل يصرف معظم أوقاته، بعد العبادات وتلبية متطلبات الجسم الطبيعية، إما على التعليم أو على التعلُّم والمطالعة أو في الكتابة والتأليف ومراجعة كتبه السابقة وتنقيحها، فهو على الدوام بين تعليمٍ أو قراءةٍ أو كتابةٍ.

لم يكن البرقعي (رح) يخاف في قولة الحق لومة لائم، بل كان يبادر إلى الدعوة إلى ما يراه حقاً دون خوف على نفسه من الإيذاء رغم كل ما ناله من أذى مخالفيه، بل كان يدعو سجَّانيه إلى الحق بكل صراحة. وفي خارج السجن كان إذا التقى شيخاً وتكلم معه في الطريق سارع إلى دعوته مباشرةً وقال له مثلاً: إن الإمام تابع للدين وليس أصلاً من أصول الدين. والأئمة كانوا علماء دعوا الناس إلى الله ولم يدعوهم إلى أنفسهم. والإمام ليس في قبره بل هو في عالم آخر ولم يعد في عالم الدنيا ولا علم له بما يجري فيها.. الخ.

كان البرقعي رحمه الله حنوناً شديد المحبة والعطف لأبنائه وبناته وأحفاده، حريصاً على هدايتهم إلى الحق والصواب والبعد عن كل بدعة وعمل أو عقيدة شركية، لا يمل من دعوتهم إلى الحق والصواب في كل مناسبة.

بهذا أختتم هذه المقدمة عن الشيخ البرقعي وأفكاره وأود أن أشير قبل النهاية أنني في تحقيقي لهذا الكتاب وتنقيحي له، حَلَّيْتُهُ بكثير من الحواشي والتوضيحات المفيدة، وسأكتفي هنا بالإشارة إلى مواضع بعضها فقط مما له أهمية خاصة:

التعريف المُفَصَّل بالأستاذ مصطفى الحسيني الطباطبائي وبيان أهم عقائده وكتبه ومؤلفاته (ص 84 إلى 86).

التعريف المُفَصَّل بالأستاذ حيدر علي قلمداران القُمِّي وبيان أهم أفكاره وكتبه ومؤلفاته (ص 153 إلى 155).

التعريف بكتاب البرقعي «عرض أخبار الأصول على القرآن والعقول» (ص 168).

التعريف المُفَصَّل بآية الله السيد «محمد جواد الموسوي الغروي الأصفهاني» وبيان أفكاره وفقهه ومؤلفاته (ص 193 إلى 195).

توضيح حول حزب «جمهوري اسلامي» الإيراني. (ص 241)

توضيح حول منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية. (ص 248 - 249)

التعريف بآية الله السيد حسن المدرِّس (ص 354).

توضيح حول «نهضت آزادي» أي «نهضة الحرية» في إيران. (ص362).

بهذا أختتم هذه المقدمة وأترك القارئ الآن مع المرحوم البرقعي في كتابه. والحمد لله أولاً وآخراً.

المُحَقِّق