صفحه نخست التاريخ الإسلامي سوانح الأيام - ايام من حياتي نبذة عن تيار إعادة النظر في العقائد الشيعية في إير...

نبذة عن تيار إعادة النظر في العقائد الشيعية في إيران ومكانة البرقعي فيه

شهد القرن الهجري الرابع عشر (القرن الميلادي العشرين) ظهور عدد من المصلحين المجدِّدين بين علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية في إيران دعوا إلى النقد الذاتي وإعادة النظر في العقائد والممارسات الشيعية الموروثة، ونبذ الخرافات والبدع الدخيلة، وإصلاح مذهب العترة النبوية بإزالة ما تراكم فوق وجهه الناصع منذ العصور القديمة من طبقات كثيفة من غبار الأحاديث الخرافية والآثار والكتب الموضوعة التي أنتجت عقائد مغالية وعصبيات تاريخية وأعمالاً بدعية وممارسات مشوبة بالشرك تتنافى مع التوحيد الإسلامي الخالص وسنَّة النبي ص، ودعوا إلى العودة إلى نقاء الإسلام الأصلي كما كان في صدر الإسلام وكما تعكسه مصادر الإسلام الأصيلة التي على رأسها وأولها القرآن الكريم ثم ما وافقه من الصحيح المستفيض المقطوع به من السنة المحمدية الشريفة الجامعة غير المفرقة، وما أيَّدهما من صحيح هدي أئمّة العترة الطاهرة وسيرتهم.

كان إرهاصة هذا الخط التجديدي الإصلاحي الناقد وصاحب الريادة فيه آية الله الشيخ «محمد حسن شريعت سنغلجي» وتلميذيه: الشيخ «عبد الوهاب فريد تنكابني» مؤلف كتاب «الإسلام والرجعة»، والأستاذ الفاضل الحاج «يوسف شُعَار التبريزي»، وقد تأثّر بهم أو واصل دعوتهم من بعدهم عدد من العلماء أو المراجع وعشرات الأساتذة الفضلاء من الشيعة في إيران وانتهجوا نهجهم بِصُوَرٍ مختلفة ودرجاتٍ متفاوتةٍ، منهم -على سبيل المثال لا الحصر-: السيد أسد الله خرقاني والمرجع المجاهد آية الله الشيخ محمد مهدي الخالصي، والدكتور المناضل علي شريعتي.. وصولاً إلى الأستاذ حيدر علي قلمداران القُمِّيّ والشيخ إسماعيل آل إسحاق الخوئيني وآية الله السيد محمد جواد الموسوي الغَرَوي الأصفهاني وآية الله العلامة السيد محمد حسين فضل الله وآية الله الدكتور محمد الصادقي الطهراني وآية الله العلامة السيد أبو الفضل ابن الرضا البرقعي والعلامة السيد مصطفى حسيني الطباطبائي ومؤخّراً الأستاذ أحمد الكاتب و... الخ.

وقد أطلق بعض المعاصرين[1] على هذا التيار الإصلاحي التجديدي اسم «القرآنيون الشيعة» لأن أصحابه أحسّوا بتغييب النص القرآني في الثقافة الشيعية لصالح الروايات والأخبار، لذا عملوا ـ من جهة ـ على ترسيخ المرجعية القرآنية، ولاسيما فكرة إمكان فهم النص القرآني بلا حاجة للحديث، كما عملوا ـ من جهة أخرى ـ على نقد التراث الروائي الشيعي ونقد كثير من أخبار الآحاد والأحاديث المذهبية المبثوثة في كتب الروايات، وإثبات ركاكتها وتعارضها مع القرآن الكريم أو مخالفتها للعقل القويم.

وقد بدأ هذا التحوّل الجديد نحو النصّ القرآني مع آية الله الشيخ محمد حسن شريعت سنغلجي (المتوفى سنة 1943م)، الذي يمكن تسميته «مؤسّس المدرسة السلفية القرآنية الشيعية الحديثة». عكف «شريعت سنغلجي» على تدريس القرآن، وأسّس داراً عرفت بدار التبليغ، إلاّ أنّه ووجه بالرفض من جانب المؤسسة الدينية الرسمية، ومورست عليه - كما يقول - ضغوط كثيرة، بل جرت محاولتان لاغتياله، بيد أنهما باءتا بالفشل[2].

ألّف سنغلجي كتباً عديدة من أهمها كتابه «توحيد عبادت» أي (توحيد العبادة) الذي نقد فيه كثيراً من العقائد والممارسات التي أصبحت رائجة بين عوام الشيعة الإمامية عند مراقد أئمة أهل البيت وذراريهم من تعظيمٍ للقبور وغلوٍّ بالأئمة وطوافٍ حول الأضرحة المنتشرة في كل حدب وصوب ونَذْرٍ لها واستغاثةٍ بأصحابها مما اعتبره أعمالاً شركية تتناقض مع توحيد العبادة الذي هو أساس الإسلام، مما جعله يحسب على التيار المناصر للحركة الوهابيّة في إيران آنذاك، بيد أنّ أهمّ كتاب تركه الشيخ «شريعت سنغلجي» يكشف عن منهجه الإصلاحي كان كتاب «كليد فهم قرآن» أي (مفتاح فهم القرآن)، فقد رأى سنغلجي في كتابه هذا أن المسلمين هجروا القرآن، فكان نصيبهم الفشل والخسران، وأن الحّل الوحيد يكمن في الرجوع إلى الكتاب الكريم. إلاّ أنّ السؤال كيف يمكن فهم القرآن؟ هذا ما يجيب عنه «شريعت سنغلجي» بأخذ الدين عن السلف لا الخلف، أولئك ـ أي الخلف ـ الذين جاؤوا مع الفلسفة والتصوّف والاعتزال[3]. ولكي يؤسّس لمرجعية القرآن ودور السنّة الشريفة طرح في كتابه أفكاراً أساسيةً هامَّةً حول القرآن الكريم منها أن النص القرآني غير محرّف، ويذكر سنغلجي أدلّته على ذلك، وأن القرآن قابل للفهم، لا يحتاج لغيره، وأن القرآن مستوعب لتمام قضايا الدين الأساسية، دون أن يعني ذلك التخلي عن السنة النبوية بل ينتقد سنغلجي تلك الحركة التي حاولت رفض السنّة الشريفة رفضاً مطلقاً، ويرى أنّ الحاجة قائمة لها، لكن القبول بمبدأ حجية السنّة، لا يعني تدخّلها في شؤون الدين كافّة، من هنا يطرح سنغلجي تفصيلاً في دور السنّة يتمثّل، برأيه، في الحاجة إلى السنّة في مجال الشرعيات، لأنّها تفصّل أمر الكتاب الكريم، أما العقائديات الأساسية التي عليها مدار النجاة والهلاك فالقرآن تكفَّل ببيانها ولا حاجة ـ عند سنغلجي ـ للسنّة فيها[4].

[1] حيدر حب الله، «نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، التَكَوُّن والصيرورة»، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2006م، ص 612 فما بعد. [2] شريعت سنغلجي، «كليد فهم قرآن»، ص 5-7. [3] شريعت سنغلجي، «كليد فهم قرآن» ، ص 3- 4-5. [4] المصدر نفسه، ص 39-41.