فدائيو الإسلام

من المناسب هنا أذكر نبذة عن فدائيي الإسلام[58]: كان فدائيو الإسلام في الأساس مجموعة من طلاب العلم الفقراء الذين لا يُلقى لهم بال، وكان ختني السيد «محمود أميدي» واحداً منهم -وهو ممن سجنه الشاه بعد عودته- وكذلك كان منهم نواب صفوي[59] وكان قد قرأ شيئاً من اللغة العربية ومختصر الفقه عندي، وكذلك الأخوان: عبد الحسين الواحدي والسيد محمد الواحدي، فالسيد عبد الحسين كان طالباً وقد درس عندي مدّةً، ولما أبعدتني الحكومة إلى طهران كان معي كما سبق. وکان منهم رجل اسمه طهماسبی کان عاملاً، وغيره. فالدولة ألقت القبض على هؤلاء وعذبت بعضهم.

وأذكر أننا لما علمنا بأنهم قرروا قتل سيد نواب صفوي والسيدين عبد الحسين ومحمد الواحدي، مع أنه لا ذنب لهم إلا أنهم مسلمون، ذهبت إلى شخص وطلبت منه أن يطلب من السيد البروجردي أن يشفع لهم - لأن للبروجردي قبولاً لدى الشاه - إنقاذاً لحياتهم ما أمكن، وإن كان من عقوبة فتخفف إلى الإبعاد مثلاً، ولكن للأسف لم يتعاون البروجردي أبداً، بل ردّ رداً سيئاً.

فاضطررت لأتوسل بتلاميذ السيد البروجردي، وأحد الذين استعنت بهم للشفاعة صاحبي في الدراسة، وهو آية الله الخميني - وهو الذي وصل إلى الرياسة بعد ذلك- وعلى كل حال لم يتعاون معنا آية الله الخميني ولم يفعل شيئاً، وكانت النتيجة أنهم قتلوا السادة العلويين وأعلنوا ذلك في الصحف مع سبّهم وذمّهم.

نواب صفوي مع بعض العلماء في طهران عام 1951م، (1) نواب صفوي (2) آية الله أبو الفضل البرقعي (3) آية الله الكاشاني (4) الشيخ عباس علي إسلامي كان فدائيو الإسلام شباباً متدينين حريصين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقليل الفساد في المجتمع، وكانوا قريبين مني، وكنت أساعدهم كثيراً بكل ما أستطيع، ويوم كنت مقيماً في مدينة قم كان منزلي مكاناً يجتمعون فيه باستمرار، ولما سكنت طهران كانوا يأتون إلى منزلي ومسجدي، وقبل أسبوع من إلقاء القبض عليهم كنت قد دعوتهم إلى تناول طعام الغداء عندي، وهيأت لهم غداء، وسألتهم ونحن على مائدة الطعام: لماذا ذهبتم إلى منزل شعبان جعفري[60] المعروف بشعبان الأحمق وهو من رجال دولة الشاه؟ وقلت لهم: عملكم هذا خطأ؛ لأنه قد يكون سبباً لسوء الظن بكم. شعبان جعفري عندها قال نواب صفوي: ذهبنا لنعظه.

قلت: هذا الشخص لا يتعظ، لأنه لا يعرف إلا المال والدراهم، ودخولكم عليه سيكون ذريعة لسوء ظن الناس بكم، فقد يقولون: إن فدائيي الإسلام عملاء للإنجلیز.

فغضب السيد نواب وضرب بصحن طعام على الجدار، فعل هذا في بيتي وأنا صاحب الدعوة، وأمام عدد كبير من الضيوف الحاضرين ممن دعوت وممن جاء معهم، واشتد غضبه عليّ.

ولاحقاً علمت أن تصرفه كان فضلاً من الله وخيراً لي، فقد تبين أن بعض الحاضرين كانوا جواسيس للحكومة، وكانوا يريدون أن يتعرفوا على من تربطهم علاقة بفدائيي الإسلام، ولما شاهدوا غضبه ومشاجرته معي، وضربه بصحن الطعام ظنوا أني من المخالفين لهم، ولما قبضوا عليهم لم يؤذوني كثيراً.

على كل حال: كانت لي علاقة حميمة بفدائيي الإسلام ذلك الوقت، ولم أتأخر عنهم بالمساعدة والإعانة بكل ما أستطيع، وكنت أناصحهم وأسعى في حوائجهم، وكانوا يرجعون إلي في الأمور العلمية والفقهية، ويشاوروني في مسائلهم ومشاكلهم، وفي كثير من الأحيان كان منزلي مخبأً لهم، ولما قُبض عليهم لم يدافع عنهم أکثر الشعب في إيران، وختني الشيخ محمود أميدي كان منهم، وقد بقي في السجن مدة ثم أطلقوا سراحه، ثم دخل بعد ذلك في سلك وزارة العدل، وأصبح يعمل في سلك القضاء إلى الآن، ولكنه وللأسف لا يحارب الخرافات والبدع، فأرجو أن يراجع نفسه وأن يصرف ما بقي من عمره في خدمة الإسلام الأصيل.

كما أسأل الله تعالى بمنه أن يهدي أولادي الأعزاء إلى سبيل مرضاته، وأن يوفقهم ليشجعوا أزواجهم على ما يرضي الله، كما أسأله تعالى أن يُسعدهم في الدارين، اللهم استجب دعوتي لهم، واجعلهم قدوة للخلق في اتباع الكتاب والسنة.

والحاصل أنه لما رجع الشاه إلى إيران بمساعدة أمريكا أرسل إليه السيد البروجردي رسالة ترحيب نُشِرت في الصحف والجرائد اليومية، ومنها جريدة كيهان واطلاعات، كتب فيها: « خلّد الله ملكه وسلطانه».

كنت وقتها قد تركت قم منذ زمن طويل، وقد تركت في قم منزلي ومزرعتي مضطراً، وأصبحت هنا في طهران منذ سنوات أَؤُمّ الناس، وأُلقي الدروس في مسجد حي وزير دفتر، وهو الحي الذي يقيم فيه والد المرحوم مُصَدِّق.

والحقيقة: أن الذي دعاني إلى ترك قم هو وجود ثلاثة أصناف يُضمرون لي أشدّ العداوة، وهم:

أولاً: مسؤولو الدولة.

ثانياً: خُدّام الحَرَم وعُمَّال متولي شؤون العتبة المقدسة (أي سادن ضريح فاطمة المعصومة) الذي كان نائباً عن قم في مجلس النواب أيضاً.

ثالثاً: رجال الدين، أي: السيد البروجردي وأصحابه. ولم تكن لديَّ القدرة والنفوذ الذي يُمكِّنني من مُقاومتهم. لذا اضطررت إلى الهجرة من مدينة قم إلى طهران.

صورة من حي وزير دفتر

[58] فدائيو الإسلام: حركة سرية جماهيرية شيعية، ظهرت في الأربعينيات من القرن العشرين، أهم أهدافها تطبيق الشريعة وفقاً للمنظور الشيعي في كل أوجه الحياة، أسسها السيد مجتبى نواب صفوي (1924-1956م) وهذه الحركة لم تشكل حزباً منظماً ولكنهم مارسوا تأثيراً مهماً في الشارع، حاولت الحركة أن تحصل على قوة ونفوذ أكبر إبان رئاسة مصدق ولكنهم لم ينجحوا بسبب ابتعاد كثير من رجال الدين عنهم، تم اعتقال وتصفية عدد كبير منهم بعد عودة الشاه محمد رضا بهلوي من إيطاليا، وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عاد نشاط الحركة وأصبح زعيمهم آية الله صادق خلخالي، وبالجملة تعتبر هذه الحركة بعد نجاح الثورة من جماعات الضغط المتطرفة في إيران. انظر: موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، تأليف الدكتور أحمد الموصلي (ص:357). [59] نواب صفوي: سيد مجتبى نواب صفوي ولد في قرية خان آباد عام 1924م، يأتي اسمه على رأس المؤسسين لحركة فدائيي الإسلام، التحق بالدراسة في النجف في العراق، قُتل أحمد كسروي على يد اثنين من أتباعه؛ لأن صفوي وجد كتاباته ضالة، بعد عودة الشاة من إيطاليا حاول اغتيال رئيس الوزراء عام 1955م فحكم على صفوي وثلاثة آخرين من الحركة بالإعدام ونفذ الحكم فيهم عام 1956م، انظر: موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران وتركيا، تأليف الدكتور أحمد الموصلي (ص: 330). [60] شعبان جعفري: شخصية موالية لرضا خان بهلوي، يُعرف بشعبان الأحمق "بالفارسية= شعبان بي مخ". متهم بضلوعه في التنسيق مع الاستخبارات الأمريكية في الانقلاب على حكومة مصدق الذي انتهى بعودة الشاه من إيطاليا، في محلة "سنكلاخ" في قلب العاصمة طهران، بعد قطيعة كاشاني ومصدق انضم جعفري إلى تيار الكاشاني، يقال: لدوافع مذهبية، إذ كان جعفري يدير مواكب حسينية وهيئات لإحياء المناسبات الشيعية، ومن أعجب الأمور تصريح جعفري في مذكراته التي نشرها بعد إقامته في الولايات المتحدة بأنه انتسب إلى جماعة فدائيان بعد ذلك، ويعلق الكاتب خسرو علي أكبر على ذلك بقوله: "فضح هذا الاعتراف جانباً من التنسيق بين المخابرات الإيرانية آنذاك والحركات الدينية المتطرفة من أجل مواجهة المد اليساري"، توفي شعبان جعفري في لوس أنجلوس عام 2006م